
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
هناك لحظات في كرة القدم تشبه المسرحيات الرديئة: تعرف النهاية قبل أن تسدل الستارة، لكنك تجلس رغم ذلك لتشاهد الفصول وهي تعرض عليك بسذاجة. الكرة الذهبية هذا العام هي واحدة من تلك المسرحيات: الكل يعلم أن أشرف حكيمي صنع موسما أسطوريا، لكن الكل كان ينتظر أن يخرج صاحب “القصة الفرنسية الجميلة” مرفوعا فوق الأكتاف. وها قد حدث، فاز عثمان ديمبلي.
حكيمي لعب موسما من الفولاذ: أكثر من خمسين مباراة، ما يزيد عن أربعة آلاف دقيقة، 11 هدفا و 16 تمريرة حاسمة، مساهمات في أهم ليالي الأبطال – ربع النهائي، نصف النهائي، النهائي. لم يكن مجرد ظهير، بل جناحا إضافيا، وصانع لعب، ومحاربا لا يكل. لقد حطم أرقام أساطير مثل داني ألفيس، لكنه اصطدم بجدار غير قابل للكسر: الجدار الذهبي الذي لا تعنيه الأرقام.
في المقابل، كان ديمبلي حاضرا… أحيانا. لاعب موهوب، نعم، لكنه ابن اللحظات المتقطعة: مراوغة هنا، هدف جميل هناك. فهل يعقل أن يكافأ من يبرق في لحظة ويهمش من يضيء موسما كاملا؟ يبدو أن الجواب عند لجان التصويت “نعم… إذا كان الأول فرنسيا والثاني مغربيا”.
المشكلة ليست في الملعب فقط، بل في الصورة. حكيمي لا يناسب الحكاية التي تحب فرنسا أن ترويها عن نفسها: ليس “ابن الديك”، لا يغني النشيد وهو يذرف دمعة على الكاميرا، لا يقدم صورة قابلة للتسويق في الحملات الوطنية. حكيمي يعرف الأسود فقط ولا يعترف بسواهم، يفضل الحديث بالركض والتدخلات الحاسمة لا بالتصريحات الرنانة.
أما ديمبلي، فهو الوريث المثالي لسردية فرنسا: فرنسي المولد، فرنسي الهوية والثقافة، قابل للتسويق في البطاقات البريدية وفي الحملات الدعائية. الجائزة لم تمنح له بسبب أهدافه فقط، بل لأنه يباع بصورة أفضل.
حين صوت الجمهور، تصدر حكيمي بفارق واضح. الناس البسطاء الذين يشاهدون الكرة بعيونهم لا بأجنداتهم اختاروا اللاعب الذي أدهشهم في الملعب. لكن أصوات الجماهير لا تعني شيئا أمام أصوات “النافذين”. الإعلام اشتغل، الشركات تحركت، الرعاة تدخلوا، والخليفي لم يبتعد، ومبابي بنصفه الفرنسي ونصفه الجزائري بارك المشهد. حتى القضاء وظف سابقا في معارك أخرى، فما بالك بجائزة تصنع في الكواليس؟
المفارقة أن الجائزة التي كان يفترض أن تكافئ “الأفضل في العالم” صارت تكافئ “الأكثر قابلية للتسويق في فرنسا”. كرة ذهبية؟ لا، إنها كرة من ورق مذهب، جوفاء من الداخل. حين كان ديمبلي يرفع التمثال، لم يكن ذلك إعلانا لانتصار لاعب، بل إعلانا لانتصار منظومة كاملة: الإعلام، الرعاة، الهوية الرسمية، والتسويق. أما حكيمي، فسيظل يرفع شيئا آخر: الحقيقة الميدانية التي لا يمكن تزويرها.
الخسارة ليست لحكيمي وحده، بل للعدالة الرياضية نفسها. لقد صار واضحا أن العشب يصرخ بلا صوت، بينما الذهب يلمع بصوت مزيف. فإذا كانت الكرة الذهبية معيارا، فالمعيار اليوم يقول: العب ما شئت، اكسر الأرقام كما شئت، كن وفيا للعشب كما شئت… لكن لا تحلم. فالجائزة لا تمنح للأفضل، بل للأكثر ملاءمة لواجهة العرض.



