
السفير 24 – عبد الحكيم اليعقوبي
مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف من كل عام، تتحول دواوير عدة بإقليم طاطا، مثل اكجكال، تغرمت، القصابي وأديس و غيرها، إلى فضاءات احتفال بليالي “عيساوة”. أصوات الدفوف والطبول تختلط بالإنشاد الصوفي والذكر، فيما يجتمع الرجال والنساء والشباب لإحياء طقوس يعتبرها الكثيرون “موروثًا من الأجداد” و”تراثًا روحانيًا” يميز المنطقة.
لكن في المقابل، يرافق هذه الطقوس جدل واسع، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما يصفها مؤيدوها بأنها تعبير عن المحبة النبوية وجزء من الهوية المحلية، يرى منتقدوها أنها مجرد “همجية” و”تخلف”، بل يذهب بعضهم إلى حد وصفها بـ”الشرك”.
ذاكرة جماعية
يؤكد بعض الفاعلين المحليين أن “عيساوة” في طاطا ليست مجرد فرجة فلكلورية، بل ذاكرة جماعية متوارثة. أحد أبناء دوار تغرمت قال في حديث مع الجريدة: “كبرنا على هاد الطقوس، وجدودنا كانوا كيديروها، بالنسبة لينا هادي فرصة باش نلتاقاو كاملين ونحتافلو بذكرى المولد بالصلاة على النبي”.
انتقادات متجددة
الجدل لا يتوقف عند حدود “الطبول والذكر”، بل يتوسع ليشمل ذكر الأولياء الصالحين الذي يعتبره بعض المعلقين “بدعة لا أصل لها”. كثيرون يرون أن هذه الطقوس تنحرف عن جوهر الدين، وأنها “تمجيد للبشر أكثر من ذكر الله”، على حد تعبير أحد المنتقدين.
كما تُثار تساؤلات حول بعض الممارسات الخطيرة التي ترافق عروض العيساوة، مثل المشي على الزجاج، شرب الماء الساخن، استعمال النار، وحتى “الجناوا” (السيوف)، وهي طقوس يصفها البعض بـ”الاستعراض الجسدي” الذي يفتقر لأي بعد ديني حقيقي.
بين الأصالة والمعاصرة
الجدل القائم يعكس صراعًا أوسع في المجتمع المغربي بين الرغبة في الحفاظ على التراث الشعبي وبين تصاعد توجهات دينية محافظة ترى في هذه الممارسات انحرافًا عن العقيدة. ومع ذلك، يظل موسم “عيساوة” في طاطا حاضرًا بقوة، ويجمع كل عام أعدادًا كبيرة من المشاركين والمتابعين و يحقق الاف المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعله جزءًا راسخًا من المشهد الثقافي المحلي.
مستقبل مجهول
يبقى السؤال مطروحًا: هل ستنجح “عيساوة” في الاستمرار كجزء من هوية طاطا رغم الانتقادات، أم أن الضغوط الاجتماعية والدينية قد تدفعها إلى التراجع؟ إلى ذلك الحين، ستظل هذه الطقوس بين من يعتبرها رمزًا للأصالة ومن يصنفها ضمن بقايا الماضي.



