في الواجهةمجتمع

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية يقصف النقابات.. من أنت لتدافع عنك نقابة فقدت دورها؟

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية يقصف النقابات.. من أنت لتدافع عنك نقابة فقدت دورها؟

le patrice

السفير 24

يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب مرحلة حساسة تتسم بنقاش واسع حول مشروع القانون الجديد الذي يهدف إلى إعادة تنظيم الجامعة وإعادة رسم أدوار الفاعلين داخلها. غير أن هذا المشروع الذي كان من المفترض أن يفتح آفاقاً للإصلاح، أبان في نظر عدد من الجامعيين عن هشاشة بيئته الحاضنة، إذ ما زالت الجامعة المغربية أسيرة حسابات حزبية ضيقة وضعف في أداء النقابات التي كان يُعوّل عليها في حماية استقلالية المؤسسة الجامعية والدفاع عن كرامة الأستاذ الباحث.

وفي هذا السياق، عبر الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بالمحمدية، جواد لعسري، في اتصال مع جريدة “السفير 24″، عن موقف نقدي واضح تجاه النقابة الوطنية للتعليم العالي، مؤكداً أن هذه النقابة لم يعد لها اليوم أي دور مؤثر، وأن الشارع الجامعي فقد الثقة فيها بعدما أصبحت رهينة لسقف محدود من المطالب ولحسابات شخصية لا ترقى إلى مستوى انتظارات الأساتذة.

وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الجسم النقابي لم يعد يعبّر عن هموم الجامعة ولا عن مشكلات الأساتذة، بل تحوّل إلى أداة لحماية بعض المنتسبين الذين يختبئون خلفها لتفادي المساءلة والتأديب، دون أن يقدموا إضافة حقيقية لمسؤوليتهم الأكاديمية في التدريس وخدمة أبناء الشعب.

الأستاذ لعسري عاد ليستحضر واقعة شخصية عاشها بكلية الحقوق بالمحمدية، حينما وجد نفسه في مواجهة أزمة مع إحدى الطالبات، تحولت بسرعة إلى صراع داخل الحرم الجامعي شارك فيه، حسب تعبيره، “زبانية العميد السابق بالنيابة”. مؤكدا أن ما جرى لم يكن حادثاً عرضياً، بل مخططاً مدروساً استهدف شخصه ومساره المهني، في وقت اتخذت فيه الوزارة الوصية موقف المتفرج المحايد، ولم يتدخل رئيس الجامعة بدوره، بالنظر إلى أن العميد السابق كان محسوباً على حزب سياسي معين، وظّف موقعه لخدمة أجندات حزبية من خلال ما وصفه الأستاذ بـ”التوظيفات المشبوهة والمجاملة السياسية لبعض مكونات الحكومة”.

ويضيف لعسري أن العميد السابق لم يتوقف عند هذا الحد، بل مارس ضغوطاً مباشرة على الكاتب العام السابق للكلية، الذي كان يدرّس مادة القانون التجاري، من أجل برمجة امتحان للطلبة خارج الجدولة المعتمدة من طرف مجلس الكلية، بحيث تزامن تاريخ الامتحان مع جلسة الاستماع لشهود من الطلبة أنفسهم الذين كانوا قد أدلوا بشهاداتهم لفائدة الأستاذ.

كما أشار إلى أن العميد السابق ربط الاتصال بنقيب المحامين السابق بغرض التشهير به داخل الحرم الجامعي، في خطوة خطيرة تضرب في الصميم مكانة الأستاذ الجامعي وهيبته.

الأخطر من ذلك – يضيف لعسري – أن الضابطة القضائية بالمحمدية، خلال استماعها للعميد السابق، استفسرته حول الإجراءات المسبقة التي اتخذها في حق الأستاذ، فأكد أنه قام بتنبيهه. غير أن هذا المعطى اعتبره لعسري “إدلاء ببيانات كاذبة”، لأنه لم يتلقَّ أي تنبيه من العميد، وكان يفترض أن يُفتح في وجهه مسار متابعة قضائية بهذا الخصوص، لكن الملف  في نهاية المطاف تم حفظه، وهو ما اعتبره دليلاً على وجود تدخلات حالت دون إنصافه.

وفي معرض تحليله لأزمة الجامعة، أكد الأستاذ لعسري أنه لا ينبغي تحميل وزير التعليم العالي الحالي عز الدين ميداوي مسؤولية هذه الممارسات، لأن القوانين الموضوعة لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي داخل الجامعات. موضحا أن التجربة أظهرت ضعف الجامعة المغربية كمؤسسة، مستحضراً أن التجربة الوحيدة التي اعتبرها ناجحة في ضبط هذا القطاع كانت في عهد وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، عندما كانت وزارة الداخلية تراقب عن كثب عمل الجامعات.

ويرى لعسري أن ما وقع يعكس عمق الأزمة التي يعيشها التعليم العالي، حيث تتقاطع الاعتبارات النقابية والحزبية مع التدبير الإداري للجامعة، فتُهمَّش الضوابط الأكاديمية ويُترك الأستاذ عرضة للتشهير والاستهداف. مبرزا أن الطاقم الإداري بالكلية تكالب ضده في ما يشبه حملة ممنهجة، ثم امتد الصراع إلى الساحة القضائية، حيث وجد نفسه في مواجهة غير متكافئة بعد أن تجندت ضده هيئة دفاع واسعة بلغ عدد المحامين المشاركين فيها ستة وثمانين محامياً، على حد قوله، دون أن تتحرك النقابة أو أي جهة مؤسساتية للتنديد أو المؤازرة، وكأن الأمر لا يعنيها. وأكد أنه يتوفر على أدلة دامغة تثبت مسؤولية العميد السابق والطاقم الإداري الذي كان يسيّر الكلية في هذا الملف، غير أن هذه الأدلة لم تكن كافية لوقف ما وصفه بالظلم الذي تعرّض له.

والمفارقة الكبرى، كما يقول الأستاذ لعسري، أن النقابة التي من المفترض أن تقف خلف الأستاذ الجامعي الذي لم يثبت في حقه أي تقصير أو خرق لمهامه، التزمت الصمت، بينما أبدى الطلبة تضامناً واضحاً معه، في دلالة على أن مساره المهني ظل نقياً منذ ولوجه سلك التعليم العالي. وهو ما يعكس اختلالاً في الوظائف الطبيعية للنقابة، التي أصبحت عاجزة عن تمثيل الأساتذة والدفاع عن قضاياهم، في حين تحوّل بعض مناضليها إلى أدوات لتبرير واقع مأزوم بدلاً من تغييره.

وختم الأستاذ لعسري بالتذكير بأن الظهير رقم 1958 يمنح الموظف العمومي الحماية القانونية أثناء مزاولته لمهامه، لكن هذه الحماية لم تُفعّل في حالته، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى القوانين إذا لم تجد طريقها إلى التطبيق، وحول قدرة مشروع القانون الجديد للتعليم العالي على ضمان حماية حقيقية للأساتذة والباحثين، بعيداً عن الحسابات النقابية والسياسية الضيقة.

هذا، وتبقى القضية التي يطرحها الأستاذ جواد لعسري لا تقتصر على بعدها الفردي، بل تعكس أزمة ثقة حقيقية داخل الجامعة المغربية، وتكشف عن هشاشة البنية النقابية وتسييس الإدارة الجامعية، وتضع مشروع القانون الجديد أمام تحدٍّ مصيري: هل سيكون بالفعل رافعة للإصلاح وضمانة لاستقلالية الجامعة وحماية الأستاذ، أم مجرد إطار شكلي يتعايش مع نفس الممارسات التي قوضت صورة التعليم العالي في المغرب؟

يتبع.. 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى