في الواجهةكتاب السفير

نهائي يليق بحكاية “الشان”: لا تنمر على “الجزيرة” ولا ترفع على “الأسود”

نهائي يليق بحكاية "الشان": لا تنمر على "الجزيرة" ولا ترفع على "الأسود"

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

من الظلم أن نفرغ ملحمة مدغشقر من معناها تحت لافتة «الحصان الأسود» على سبيل التنمر. في كرة القدم، تولد الفرق الكبيرة أحيانا من رحم المسابقات نفسها: من الدنمارك 1992 إلى اليونان 2004. مدغشقر ليست نكتة عابرة، بل سردية مكتملة المعنى: منتخب محلي تشكل على الهامش، وراح يصحح مركزه في المتن مباراة بعد أخرى، حتى بلغ نهائي «الشان» في وجه أعرق المدارس. وفي الجهة المقابلة يقف المغرب، بصفته حامل إرث نسختي 2018 و2020، وتركيبة محلية تعد بامتداد منطقي لنهضة لعبة حصدت ميدالية أولمبية تاريخية قبل عام واحد فقط. هنا تتقاطع الواقعية مع العاطفة: فريقٌ يحمي امتيازاته، وآخر يوسّع حدود الممكن..

أولا: قراءة بالأرقام… طريقان يلتقيان في نيروبي

المغرب أنهى المجموعة الأولى ثانيا (8 أهداف له، 3 عليه)، عبر انتصارات على أنغولا (2–0) وزامبيا (3–1) والكونغو الديموقراطية (3–1)، مع خسارة وحيدة أمام المضيف كينيا (0–1). في ربع النهائي أطاح بالمضيف الآخر تنزانيا (1–0 بدار السلام)، ثم عبر حامل اللقب السنغال بركلات الترجيح 5–3 بعد تعادل 1–1 في كمبالا. حصيلة ما قبل النهائي: 10 أهداف سجلها و4 استقبلها في الوقتين الأصلي والإضافي، مع شباك نظيفة مرتين (أنغولا، تنزانيا). الهداف الأبرز حتى نصف النهائي: أوسامة لمليوي (4 أهداف).

مدغشقر خرجت من مجموعة ثانية عسيرة وصيفة (5 له، 3 عليه)، ثم أقصت كينيا المضيفة بركلات الترجيح بعد 1–1، قبل أن تحسم ملحمة نصف النهائي أمام السودان بهدف في الدقيقة 116. إجمالا قبل النهائي: 7 أهداف لفريق الجزيرة الصغيرة مقابل 4 عليه، مع شباك نظيفة أمام إفريقيا الوسطى في المجموعات ثم السودان في نصف النهائي.

الملحوظة الأهم تكتيكيًا من الأرقام: المغرب فريق «إدارة مباريات»—يتقدّم ثم يضغط على الإيقاع ويحسن اللعب الانتقالي والكرات الثانية، بينما مدغشقر فريق «اللحظة الطويلة»—يتحمل الضغط، يقتصد في المخاطرة، ويضرب في توقيتٍ متأخر. سفر المنتخبين بين ثلاث دول وثلاث مدن وثلاثة ملاعب كبرى (بن بنجامين مكابا بدار السلام، مانديلا الوطني بكمبالا، ثم النهائي في كاساراني بنيروبي يوم السبت 30 غشت 2025) يضيف طبقة إجهاد ذهني قبل أن يكون بدنيا—وهنا تميل الكفة عادة لصالح من يمتلك دكة أعمق وخبرة تغيير المشهد داخل المباراة.

كيف قرأت الصحافة المتخصصة هذه القمة؟

المنصات الإفريقية والعالمية صاغت المباراة ببلاغة متقاربة: CAF Online قدمتها كمواجهة بين «خبرة الأسود» و«حلم الملغاشيين»، فيما رأت Tips.GG أنها صراع بين «الخبرة المغربية» و«القدر الملغاشي». SuperSport وHapaKenya وصفتا تأهل مدغشقر بأنه «لحظة مفصلية» تصنع فصلا جديدا في كرة القدم الإفريقية، بينما أجمعت هذه المنابر على أن النهائي «تاريخي»—لا لهوية الطرفين فقط، بل لطريقة بلوغهما: المغرب عبر حامل اللقب وعلى أرض محايدة مرهقة، ومدغشقر عبر إسقاط مضيفين ومباراة امتدت حتى الدقيقة 116.

قراءة فنية: أسلوبان متضادان في النهائي

المغرب تحت قيادة طارق السكتيوي يبدو فريقا «براغماتيا حادا»: لا يميل إلى الاستحواذ الشكلي بقدر ما يسعى إلى تقييد المساحات بين الخطوط، وتفعيل الأجنحة للضغط العكسي، ثم الضرب بتمريرات عمودية قصيرة إلى منطقة «نصف المساحة». هذا يفسر قدرته على تجميد المباريات حين يتقدم، وعلى جر الخصم إلى مناطق لا يرتاح فيها، ثم إدارة الزمن عبر التغييرات. شخصية المجموعة تشبه سيرة الكرة المغربية الحديثة: قدرة على المشي فوق الحبل المشدود في الأدوار الإقصائية، وتوارث لثقافة «المهمة غير المستحيلة» التي عززتها المنجزات الكبرى في السنوات الأخيرة.

مدغشقر فريق «صابر ومؤمن»: يتقن الكتلة المتوسطة، يضغط موجها نحو الأطراف لتقليل الخطر في العمق، ويعول على التحول السريع بلمسات قليلة حين ينهك الخصم. قوّته ليست في «الاستعراض»، بل في شجاعة الصمود، وفي قبول أن المباراة يمكن أن تحسم بعد الدقيقة 90 إذا بقي الخيط الذهني مشدودا—وهو ما حدث أمام السودان. هذا يضع على المغرب واجب تسريع النسق مبكرا وتنجيم العرضيات الماكرة التي تجبر مدغشقر على تفكيك كتلتها.

بوصلة النهائي بين المنطق والعاطفة؟

بالمنطق البارد، المغرب هو الطرف المرشّح: خبرة أوسع في النهائيات، هداف متقدم (لمليوي)، ومنحنى أداء صاعد بعد خسارة مبكرة أمام كينيا. لكن ما يجعل هذه القمة آسرة هو أن مدغشقر لا تلعب ضد الخصم فقط، بل ضد تاريخ مكتوب سلفا. إذا سجل المغرب أولا وفرض إيقاعه، ستتسع الفوارق. أما إن نجح الملغاشي في تكسير الرتم وإطالة زمن الندية، فستتحول التفاصيل الصغيرة—خطأ في التغطية، ركنية متقنة، تبديل متأخر—إلى أقدار.

في هذا النهائي على وجه الخصوص، ينبغي أن تدار الحكاية بكرامة للطرفين: لا تنمر على «الجزيرة» إذا تعثرت، ولا ترفع على «الأسود» إن فازوا بما يليق بتاريخهم. فالنهائي ليس امتحانا للنوايا، بل مرآة لما علمتنا إياه اللعبة: أن الكرة تمنح الحق لمن يحسن الإصغاء للإيقاع، ويحفظ قلبه دافئا وعينه باردة.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى