
السفير 24- جمال اشبابي – باريس
في مفارقة تاريخية تعكس تحولات عميقة في الهوية والوعي، تشهد المملكة المغربية في السنوات الأخيرة ظاهرة غير مسبوقة: هجرة عكسية تتزايد وتيرتها، حاملة معها “زماكرية” (مغاربة الخارج) يفضلون دفء الوطن على بريق الغربة. هذه العودة لا تقتصر على المتقاعدين الحالمين بالاسترخاء، بل تشمل جيلا جديدا من الشباب المؤهل والأسر التي قررت أن جودة الحياة، والارتباط بالهوية، باتا أهم من ارتفاع الدخل.
لماذا العودة؟ ليس الحنين وحده السبب
ما الذي يدفع المغاربة للهجرة عكس التيار؟ الأسباب تتجاوز الحنين البسيط إلى الوطن. وفقا لدراسة أجراها معهد الدراسات الأوروبية عام 2023، أكد 65% من العائدين أن الروابط العائلية والرغبة في تربية الأبناء في بيئة ثقافية مألوفة كانت من أبرز دوافعهم. دراسة أخرى، نشرها المجلس الأعلى للجالية المغربية بالخارج في عام 2024، كشفت أن 58% من المستجوبين يخططون للعودة النهائية في غضون خمس سنوات، وأن هذا التوجه قوي بشكل خاص لدى الفئة العمرية بين 30 و45 عاما، حيث تصل نسبتهم إلى 61%.
المثير للاهتمام هو أن الاعتبارات النفسية والاجتماعية طغت على الجانب المادي. تقرير لـ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) يشير إلى أن 82% من العائدين وجدوا في المغرب علاقات اجتماعية أكثر دفئا ودعما، مقابل 57% فقط عندما كانوا في أوروبا. هذه الأرقام تكشف عن تحول جذري: لم يعد الخارج مرادفا للنجاح المطلق في وعي الكثيرين.
المغرب الجديد: وجهة جاذبة بفضل تحولاته
ما كان في يوم من الأيام بلدا مصدرا للهجرة، تحوّل اليوم إلى نقطة جذب لأبنائه. بفضل جهود تنموية مكثفة، تحسنت مؤشرات جودة الحياة بشكل ملحوظ بين عامي 2019 و2025. أرقام المندوبية السامية للتخطيط تظهر أن مستوى البنية التحتية في المدن الكبرى ارتفع بنسبة 22%، والخدمات الصحية تحسنت بنسبة 31%.
كما بلغت استثمارات الدولة في التعليم والرعاية الصحية 27.4 مليار درهم في عام 2024، مما ساهم في رفع ترتيب المغرب في تصنيفات التنمية البشرية. مدن مثل طنجة، مراكش، أكادير، وفاس أصبحت مراكز حيوية تجذب الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وخاصة تلك التي يطلقها “الزماكرية” العائدون.
وزارة الاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية كشفت عن إطلاق أكثر من 1600 مشروع استثماري بين عامي 2023 و2025 من قبل العائدين، أغلبها في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا، السياحة البيئية، والتعليم الخاص.
شهادات حية: العودة اختيار عن قناعة
العودة ليست مجرد قرار، بل هي قصة نجاح تتجسد في شهادات شخصية. محمد (42 عاما)، مهندس معلوماتي تلقى تعليمه في جامعة بروكسل الحرة، عاش في بلجيكا 15 سنة قبل أن يعود. يقول: “صحيح أن دخلي الحالي أقل، لكن جودة الحياة التي أعيشها الآن أفضل بكثير. أعيش بقرب والديّ، وأربي أطفالي في بيئة أؤمن بها. هذا لا يقدر بثمن”.
فاطمة (35 عامًا)، ممرضة عملت في فرنسا بعد تخرجها من جامعة السوربون، أسست عيادة في مسقط رأسها. “العمل لخدمة مجتمعي منحني شعورا مختلفا تماما عن كل سنوات الغربة.”
أما رضوان (45 عاما)، العائد من ألمانيا، فيلخص الدافع قائلا: “لم أكن أبحث عن رفاهية مادية زائفة، بل عن حياة اجتماعية وإنسانية أكثر توازنا بين أهلي وأصدقائي.”
دعم حكومي… وتحديات قائمة
لتحفيز هذه الموجة، أطلقت الدولة المغربية برامج موجهة خصيصا للعائدين، أبرزها برنامج PRIM الذي وفر المرافقة لأكثر من 2400 حالة بين عامي 2023 و2025 في جهات مثل سوس-ماسة والشرق. ورصدت الحكومة 120 مليون درهم لدعم هذا البرنامج بالتعاون مع شركاء أوروبيين مثل Expertise France.
التدابير تشمل تسهيلات جمركية لنقل الأمتعة، ودعمًا تربويا لإدماج الأبناء، ومواكبة قانونية لتسجيل المشاريع. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، مثل ضعف التنسيق بين الإدارات الحكومية، وصعوبة معادلة الشهادات الأجنبية، والحاجة إلى بناء شبكات مهنية جديدة بعد سنوات من الاستقرار في الخارج. هذه العقبات تستدعي إعادة النظر في آليات الدعم لضمان استمراريته وفعاليته.
تحول اجتماعي عميق… وآفاق جديدة
هذا التحول يتجاوز الحالات الفردية ليصبح ظاهرة مجتمعية. لم تعد أوروبا الحلم المطلق، بل أصبحت محطة مؤقتة في مسار ينتهي بالعودة. المرصد الوطني للهجرة في تقريره لعام 2025 أكد أن المغرب يتجه تدريجيا ليتحول من بلد مصدر للهجرة إلى بلد يستقبل كفاءاته. هذا يتطلب سياسات تكاملية تدمج هؤلاء العائدين وتستثمر خبراتهم في التنمية الوطنية.
الهجرة العكسية لم تعد مجرد خيار شخصي، بل تحولت إلى فرصة اقتصادية واجتماعية كبرى يمكن أن تشكل مستقبل المغرب، شريطة أن يتم احتضان هذه الكفاءات وتوجيهها ضمن رؤية تنموية شاملة.
ما رأيك في هذه الظاهرة؟ هل تعتقد أن المغرب مستعد حقًا لاستقبال هذه الموجة من الكفاءات والاستفادة منها على المدى الطويل؟



