
السفير 24- الدنمارك: ذ. حيمري البشير
إن المراهنة على الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج أضحت، في واقع الأمر، ضربًا من المستحيل. هذه هي الحقيقة التي يجب أن يقتنع بها الجميع، وخاصة أولئك الذين يراهنون على الاستفادة من الكفاءات التي تكونت في بلدان الإقامة، في ظل غياب أي مبادرة ملموسة من طرف بلد الآباء تعكس اهتمامه أو حرصه على هذه النخب التي تمثل رصيدًا بشريًا واستراتيجيًا مهمًا.
فالغالبية الساحقة من هذه الكفاءات، رغم انتمائها العاطفي للمغرب، لا تحمل أي معطيات دقيقة أو معرفة عميقة عن البلد الأصل. وقد يُحمّل الوالدان جزءًا من المسؤولية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدولة المغربية التي تجاهلت، في سياساتها العمومية المتعاقبة، فئة المزدادين بالخارج، ولم تخصص لهم برامج حقيقية تعزز انتماءهم وتدعم اندماجهم الثقافي والديني والهوياتي.
لقد أصبحت زيارة المغرب، مع مرور الوقت، أمراً غير جذّاب بالنسبة للجيل الجديد المزداد في المهجر. بل نجد العديد منهم يفضلون السفر إلى بلدان أخرى، دون أي حافز يربطهم بوطنهم الأم. وسأقدّم هنا نموذجًا حيًّا من خلال تجربة شخصية.
ابني، الذي تخرج هذا العام كصيدلاني، قرّر التوجه إلى الولايات المتحدة لمتابعة مساره المهني. وقد مرت سنوات طويلة دون أن يبدي رغبة في السفر إلى المغرب. وفي إحدى زياراتنا الأخيرة، وكان برفقتنا، تعرض لموقف يعكس بشكل صارخ هذا الإشكال العميق.
عند وصولنا إلى أحد المطارات المغربية – وأتحفّظ عن ذكر اسمه – كنا نقف في طابور الجوازات، وكنت أحمل جوازات سفر الأسرة. وعندما وصل دورنا، قدّمتُ الجوازات للضابط، فطلب مني أن يسلّم كل فرد جوازه بنفسه. تقدّم ابني وقدّم جوازه الدنماركي، فخاطبه الضابط باللغة المغربية: “رقم بطاقة التعريف؟” فلم يفهم السؤال وردّ عليّ بالدنماركية. تدخلتُ نيابة عنه وشرحت للضابط أنه لا يتحدث العربية بطلاقة لأنه وُلد وترعرع بالخارج.
غير أن الضابط ردّ عليّ بأسلوب يفتقر إلى الاحترام، وكأنه يشكك في مصداقيتنا. استفزني هذا الموقف، خاصة وأنه يتكرر مع العديد من الشباب المزدادين بالهجرة، الذين يجدون صعوبة في التواصل بالعربية، بسبب غياب أي دعم مؤسسي سابق للحفاظ على لغتهم وثقافتهم وهويتهم الدينية.
مثل هذه المعاملات تدفع العديد من الشباب إلى مقاطعة المغرب، وتُساهم في تعميق الفجوة بين الأجيال الجديدة من مغاربة العالم ووطنهم الأم. إنها الحقيقة المُرّة التي يعاني منها جيل كامل من أبناء الجالية.
ويُضاف إلى ذلك تغييب مغاربة العالم في تدبير الشأن العام الوطني، وغياب تمثيليتهم في مؤسسات الحكامة، ما يُهدد بفقدان ارتباطهم بالمغرب. وهو أمر ستكون له، دون شك، تداعيات اقتصادية خطيرة، خاصة وأن تحويلات مغاربة العالم بلغت أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، وهو رقم استراتيجي في توازن الاقتصاد الوطني.
إن استمرار الدولة المغربية في تجاهل الكفاءات المزدادة بالخارج، وعدم وضع استراتيجية واضحة لدمجهم في الحياة السياسية والاقتصادية، سيؤدي مع مرور الزمن إلى فقدان جيل كامل، بل وربما أجيال، من الارتباط ببلدها الأم. وما وقع مع ابني، للأسف، ليس سوى نموذج متكرر لواقع مرّ يعيشه آلاف من الشباب المغاربة بالخارج.
ومع الأسف، لم ننجح كجالية في تشكيل قوة ضاغطة تؤثر في السياسات العمومية. كما أن تغييب الأحزاب السياسية لدور مغاربة العالم في صناعة القرار يُضعف دورنا السياسي، وقد تكون له آثار مستقبلية سلبية على مسألة التحويلات المالية التي تظل اليوم إحدى ركائز الاقتصاد المغربي.



