في الواجهةكتاب السفير

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان – الجزء الخامس

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان - الجزء الخامس

le patrice

السفير 24 – بقلم: د. ساجد المصطفى

في الدول ذات العجز الديمقراطي- والتي تتسم بتعارض المصالح ما بين الفئة الحاكمة، والمتحكمة في منابع الثروة ودواليب السلطة، والشرائح الواسعة من المواطنين ومن الفئات الهشة المسلوبة في حقوقها المشروعة- فمصالح وزارة الداخلية هي التي تكون في الواجهة لتدبير التشنجات ولتحريك كل الأساليب والموارد البشرية والمادية للحفاظ على الوضع القائم الذي يهدف الى استمرارية احتكار السلطة والثروة.

فنلاحظ كيف أن مصالح وزارة الداخلية هي التي تسهر على طرق وإجراءات تدبير الأزمة المائية المترتبة عن سنوات متتالية من الجفاف وكذلك عن استراتيجيات اقتصادية ومخططات إنتاجية لم تبالي بالأضرار الناجمة عنها، كمخطط المغرب الأخضر (Le Plan Maroc Vert) الذي أهمل البعد البيئي والايكولوجي من خلال تغليب منطق الربح التجاري وغزو الأسواق الخارجية على حساب أهداف التنمية المستدامة .

فإجراءات وطرق تدبير الأزمة المائية عبر التحكم في التزويد بالماء الصالح للشرب وفي الجدولة الزمنية لاستعمال واستغلال الموارد المائية أضرت كثيرا بمصالح المواطنين و الأنشطة المرتبطة بالماء (محلات غسل السيارات، الحمامات، التحكم في طبيعة الزراعات للحد من إنتاج المواد الزراعية الأكثر استهلاكا للمياه، كالدلاح الأحمر…)

فقد كان لرجال السلطة وأعوانهم دورا وتدخلا في اختصاصات وزارة المالية ومصالحها الضريبية، بحيث أن الإدلاء بشهادة الفقر يترتب عنه إعفاءات ضريبية وخاصة الضرائب المركزية. (Impôts centraux)
فعمل مصالح وزارة الداخلية يجسد طبيعة سياسات عمومية غير منبثقة عن صناديق الاقتراع وعن إرادة المواطن، وبالتالي لا تحاسب بأدوات وقنوات التعبير عن اختيارته، كاللجوء لانتخابات نزيهة تعطي في الأنظمة الديمقراطية سلطة كاملة للمنتخبين (البرلمان والجماعات الترابية) الذين يمثلون المواطنين فيما يخص السياسات العمومية المركزية والمحلية. إذا كانت الخصال الشخصية والاستقامة والنزاهة هي قيم لها بعض التأثيرات الايجابية على السير السليم لمصالح وزارة الداخلية، إلا أن الاختلاف في التعامل وفي علاقة هذه المصالح (رجال السلطة، مدراء ورؤساء الأقسام، الأجهزة الأمنية …) بالمواطنين ينمحي ويندثر تماما عندما يوجب تطبيق التعليمات الفوقية، لتعليمات وأوامر قمع محتجين أو مطاردة الباعة الجائلين وتخريب ممتلكاتهم وهدم مساكن بالقوة ضدا على موافقة ومبتغيات الساكنة واحتجاجاتهم أو لمنع أنشطة فعاليات سياسية وحقوقية معينة أو لتعذيب مرشحين للهجرة السرية (الحراكة) من طرف عناصر القوات العمومية كما تم تداوله بالصحف وبمواقع التواصل الاجتماعي، الخ.

مصالح وزارة الداخلية هي التي تكبح التعبيرات و التمظهرات الاحتجاجية، التي تنتج عن التناقضات الاجتماعية (La répression des expressions et des manifestations des antagonismes sociaux) و التي تفرزها الفوارق الطبقية و هيمنة فئة مستحوذة على السلطة والثروة، مما يخلق واقعا مأزوما اقتصاديا واجتماعيا تسوده الفوارق الاجتماعية ومؤشرات الفقر والهشاشة والبؤس والتطلع الى واقع أفضل مهما كان الثمن والكلفة، كاتخاذ قرار الهجرة السرية برغبة مغادرة البلاد والارتماء في أحضان المجهول و المخاطرة و المجازفة بالحياة.

فالأزمة الصحية العالمية المترتبة عن وباء كورونا، أوضحت أكثر هيمنة مصالح وزارة الداخلية ، بحيث أنه تم تهميش دور جميع الهيئات المنتخبة والأحزاب السياسية والفعاليات الحقوقية و الجمعوية و الإعلامية والصحفية في التدبير والتأطير وفي التغطية الإعلامية، وأن مصالح وزارة الداخلية (رجال السلطة، وعناصر الأجهزة الأمنية والقوات العمومية) هي التي كانت في واجهة تدبير مرحلة الحجر الصحي (Confinement) والتي عرفت معاناة قصوى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وكذلك فيما يخص الحد من حريات التنقل و منع مزاولة مجموعة من الأنشطة الاقتصادية، هذه المصالح هي التي تحكمت بقوة في كل ما يؤثر في حياة المواطنين وفي تحركاتهم وتنقلاتهم بين المدن (منع أنشطة اقتصادية، إقصاء دور الأحزاب السياسية والفعاليات الحقوقية والإعلامية، فرض حظر التجول مع استثناءات لأصحاب التموين لتكريس منطق هاجس الخبز على حساب الحرية والكرامة الإنسانية…الخ).

مع استثناء بعض الفاعلين الغيورين على الإقليم، ففعاليات المجتمع المدني لا تلعب دورها في سياسات عمومية تهدف الى خدمة المواطنين والى تحقيق التنمية الاجتماعية والبشرية، والى صيانة وضمان احترام حقوق الإنسان، بل جلها تواكب سياسات عمومية تخلق معاناة ولا ترقى الى طموحات ساكنة الجماعات الترابية. فالملاحظ منذ السنوات الأخيرة هو احتراف خلق “جمعيات استرزاقية” للاستفادة من منح المجالس الجماعية و التمويلات في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو لتنظيم مواسم ومهرجانات البهرجة وتبديد المال العام، علما أن المهرجانات تنظم بجميع مناطق العالم بالمدن وبالقرى وتجسد المكون الثقافي والتاريخي لساكنة المناطق ولها دور كبير في الإشعاع السياحي وفي الترفيه وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية خلال أيام المهرجانات، وأن تنظيمها يكون محكما وتحت مسؤولية عدة فعاليات (منتخبين، جمعيات، ممثلين للأنشطة المشاركة…)، وذلك في إطار الشفافية وعدم استغلال تنظيم المهرجانات لاختلاس الأموال المرصودة لها ولتسليع أماكن الأنشطة التجارية، وبالتالي تحريف الأهداف الايجابية للمهرجانات لتصبح محطة للاستغلال الشخصي والضيق على عدة أصعدة.

فالمجتمع المدني أضحى بجميع دول العالم، يحظى باهتمام كبير لما أصبح له من مهام في البلورة والضغط على السياسات العمومية لتصويبها نحو تحقيق التنمية الشاملة التي لها ارتباط وثيق بتغطية جميع تكاليف إنتاج الإنسان على المستوى الاقتصادي والاجتماعي و كذا احترام حقوق الحريات الفردية والعامة.

إلا أن قوة المجتمع المدني تضمحل و يتم إضعافها عندما تصبح الغاية الأساسية لفعالياته هي الاستفادة من المنح ومن المنافع المادية، ومن الاستفادة من برامج ذات تمويلات كبرنامج ” أوراش” وبرنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

يجب التوضيح أن الجمعيات تنقسم الى نوعين بحيث أنه، من جهة هناك جمعيات تسدي خدمات، (Associations de services) وهي جمعيات تواكب غالبا السياسات العمومية دون الضغط عليها، كالجمعيات التي تنشط في مجال محاربة الفقر والهشاشة ومجال محاربة الإدمان على المخدرات ومجال الدعم الأسري ومحاربة الأمية وتعنيف النساء…، ومن جهة أخرى جمعيات تدافع على قضايا مجتمعية كمهام الدفاع عن احترام حقوق الإنسان والدفاع عن القضية الفلسطينية والحفاظ على البيئة ومحاربة نهب المال العام وحرية التعبير والصحافة، الخ. (Associations de plaidoyer )
فما دفع السلطات العمومية الى الانفتاح على المجتمع المدني، وخاصة جمعيات تسديد الخدمات والتعاونيات، هي عدم قدرة الدولة على تحمل مهامها الاجتماعية للحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تنتج عن سياسة اقتصادية ليبرالية وريعية، من خلال تحرير السياسة الاقتصادية منذ تطبيق برنامج التقويم الهيكلي
(Programme d’ajustement structurel) في 1983، وما نجم عنه من خوصصة للقطاعات العمومية وكذلك من خلال تدخل الدولة الكارثي في ربط الاقتصاد الوطني، فيما يخص آليات وميكانيزمات الإنتاج والتوزيع، بنظام الامتيازات والمكافآت وذلك لصالح ذوي النفوذ الإداري والسياسي في ظل زواج السلطة والثروة.

فتشجيع المجتمع المدني الخدماتي يجد تفسيره كذلك في ضغط المؤسسات المالية الدولية، البنك العالمي وصندوق النقد الدولي FMI، على حكومات دول العالم الثالث، التي تغرق في آفة وأزمة المديونية الخارجية والتي عجزت عن تسديدها، والتي يجب عليها أن تشرك فعاليات المجتمع المدني في اتخاذ القرارات التي تهم مشاريع التنمية والساكنة المحلية. فضغط المؤسسات المالية الدولية ينطلق من أن القروض والإعانات المالية تنهب من طرف السلطات المركزية والمحلية ولا تخصص لتمويل المشاريع التنموية.

ففي مقابل مجتمع مدني مشجع ومعلف، هناك فعاليات في المجتمع المدني الجاد تؤدى مهامها في انفصال تام عن منطق المواكبة والاستفادة من برامج التمويلات، بحيث أن هناك جمعيات تنشط في مجالات الدفاع عن قضايا مجتمعية تلقى صعوبات في تأسيس وتجديد مكاتبها وحرمانها من القاعات العمومية لعقد أنشطتها ولقاءاتها … ونذكر على سبيل المثال الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعيات الدفاع عن القضية الفلسطينية ومراكز تعنى بالعمل الصحافي و الإعلامي،…الخ.

ليس فقط فعاليات المجتمع المدني المدافعة عن قضايا مجتمعية تتعرض للتهميش والإقصاء، بل حتى بعض الفعاليات التي تنشط في المجال الرياضي كحال نادي الحدائق لكرة المضرب بمدينة بنسليمان، هذا النادي الذي بصم على إشعاع وحضور بلغ صيتهما مستوى عاليا على الصعيد الوطني، وذلك عبر تنظيم بطولات وطنية ودولية عرفها النادي في أعز أيامه، كما كان قبلة لمجموعة كبيرة من هواة وممارسي هذه الرياضة، وفضاءا ترفيهيا عائليا، ومتنفسا بالنظر إلى موقعه وبما يتوفر عليه من مرافق، ثم بجماليته ومناظره الطبيعية.

لكن عوض الحفاظ على هذا الإرث كمرفق حيوي يساهم في الإشعاع السياحي للمدينة، يتفاجأ الجميع بالإجهاز عليه وتعريضه للتخريب والزوال والإهمال الممنهج، حيث تغاضت السلطات المحلية والإقليمية أو تواطأت على إقباره بعد مماطلتها في تمكين مكتب النادي المنتخب من الوصل القانوني.

فالعمال المتعاقبون، دون اسثناء، لم يعملوا على حل المشكل وكأن مخططا سريا يطبخ لتفويت هذه المعلمة الرياضية ورمزيتها لمنطق الافتراس والتشييد العقاري؛ وتشهد على ذلك حالة التردي والخراب التي آل إليها الآن بعد ما سرقت كل محتوياته.

نفس المآل او الأفق المسدود يعرفه المسبح البلدي، الذي رغم إنهاء الأشغال به، يتم تأجيل فتحه لأسباب مجهولة أو لأعذار يتم اختلاقها في انتظار طبخ مسألة التفويت، وبالتالي يتم حرمان أبناء وشباب المدينة بالإقليم من خدماته لسنوات عديدة، خاصة في فصل الصيف حيث تشهد المدينة درجات عالية من الحرارة ويشتد قيظها والعديد من الأسر المحدودة الدخل لا عزاء لها سوى المكوث بين جدران المنازل وحرارة الأكواخ في انتظار فرج لن يأتي.

بعد سنوات طويلة من الانتظار ومعاناة أطفال و شباب الإقليم، خاصة في الصيف، استبشر المواطنون خيرا بقرب افتتاح المسبح البلدي لمدينة ابن سليمان بعد خضوعه لإصلاحات وتجديد لمرافقه كلفت ميزانية مهمة رصدها لهذا الغرض المجلس الإقليمي، وبشراكة مع المجلس البلدي، إلا أن الصدمة كانت قوية بسبب التراجع عن إعطاء انطلاقته هذا الصيف بناء على تبريرات تتعلق بجوانب تقنية كشفت عدم جاهزيته وصلاحيته في الوقت الراهن، مما يؤكد عجز السلطات الإقليمية والمنتخبة عن توفير مرفق عمومي بسيط لا يتطلب عتادا أو استثمارات ومتطلبات خيالية.

كل هذا يوضح أن هم المسؤولين ليس هو تلبية حاجيات المواطنين بقدر ما يتمحور تركيزهم على الاستغلال الفاحش لمراكز النفوذ و لمرورهم بالمسؤولية.

الملاحظ هو أن السلطات الإقليمية والمحلية تعمد من جهة على فرض جبروتها وتعسفاتها عندما يتعلق الأمر بتشريد الباعة أو قمع محتجين أو المساهمة في تخريب مرافق عمومية حيوية كالحدائق والنوادي…، ومن جهة أخرى تقدم كل التسهيلات والامتيازات لذوي النفوذ السياسي والإداري وكذلك لأصحاب المشاريع الاقتصادية الكبرى والتي لها ارتباط وثيق كذلك باستغلال النفوذ، والتي يراهن على “مليارديرات استغلال النفوذ” في تسديد خدمات معينة تعود بالنفع على ذوي القرار، و كذلك قصد المساهمة في تمويل الحملات الانتخابية لتكوين مجالس الجماعات الترابية على مقاس المصالح المشتركة لجميع الأطراف النافذة سياسويا وانتخابويا واقتصاديا !!

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية*

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى