في الواجهةكتاب السفير

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان – الجزء (1)

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان - الجزء (1)

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – بقلم: ساجد المصطفى

كثيرا ما يتم الترديد بأن القوانين والتشريعات الوطنية والدولية وضعت أساسا لخدمة المواطن والمجتمع، لكن للأسف، ما يتم تسجيله هو عكس الخطاب المتداول، حيث يلاحظ الوقوف على مجموعة من التراجعات الخطيرة، وسن قوانين وسياسات عمومية واجتماعية واقتصادية تضرب في العمق ما تحقق من حقوق مكتسبة.

والخطير في الأمر أن حدة معاناة المواطنين تتفاقم أكثر في بعض المناطق والجهات كحال إقليم ابن سليمان، والذي يتركز فيه اهتمام المسؤولين على جمع الثروات ونهب الخيرات التي يزخر بها الإقليم. لذلك ظل منذ عهود عرضة للافتراس والنهب من طرف رموز السلطة والمنتخبين على حد سواء (المشاريع العقارية الريعية، المقالع وكوارثها البيئية والصحية، الأراضي المسترجعة الفلاحية…). منذ عشرات السنين، فإن الموقع الجغرافي لإقليم بنسليمان وخيراته، عوض أن تكون عاملا لتنميته، فهي تشكل بدلا من ذلك، عواملا لتخلفه وتفاقم مشاكل ساكنته، بحيث أن خيرات وثروات الإقليم تجلب أطماع الافتراس والنهب لذوي النفوذ والمسؤوليات الذين يستولون على الاف الهكتارات من الأراضي المسترجعة من أجل تحويلها إلى مشاريع عقارية (غولف بنسليمان، غولف باهية بتش ببوزنيقة) و فلاحية. هناك علاقة وطيدة بإقليم بنسليمان بين استغلال المسؤوليات والنفوذ ومراكمة الثروات بأهداف الاغتناء الفاحش والسريع.

بخصوص كارثة المقالع التي تأتي على الخيرات الباطنية للأرض والغابة، يطرح سؤال كبير حول العدد الهائل للتراخيص الممنوحة للمستفيدين من هذه المقالع بتراب اقليم ابن سليمان وخاصة بجماعتي عين تيزغة والزيايدة وكذا توسعها في اتجاه الردادنة أولاد مالك ومليلة… 

بالإضافة الى أسطول الشاحنات الذي وصل الى المئات. والذي حطم كل البنية التحتية (طرقات، أرصفة، حدائق…) وتلويث البيئة وتهور السائقين الذين تسببوا في مجموعة من حوادث السير القاتلة.

والتراخيص بهذه الحدة والمبالغة والخطورة الصحية والبيئية تخلق استياءا عارما لدى عموم السكان وخاصة السكان المجاورين لهذه المقالع، والذين أصبحوا يعانون من أمراض ضيق التنفس بالنظر الى كمية الغبار التي أصبحت تطبع مناخ ابن سليمان، الذي كان الى وقت قريب يشهد له بجودة مناخه. ناهيك عن اجتثات الغابة والأراضي التي فقدت خصوبتها وقيمتها والإضرار بالفرشة المائية.

مما يفرض علينا دق ناقوس الخطر بسبب ما أصبح يعرف بالإقليم من أخطار بيئية وصحية ومجالية واجتماعية. بحيث أصبحت هذه المقالع تشكل نوعا من الحكرة وتوفر للمستفيدين نفوذا مطلقا يتجاوز السلطات الإقليمية.

فنهب الأراضي المسترجعة من طرف ذوي النفوذ يخلق أضرارا اقتصادية واجتماعية وحقوقية، بحيث أن مفترسي العقار يحركون كل ما لديهم من علاقات ونفوذ للاستحواذ على أراضي الغير بتشريد العائلات التي كانت تستغل الأراضي المعنية منذ عقود كحال عائلة مصطفى سرحان بجماعة الردادنة أولاد مالك، التي تم إجلاؤها- بالقوة يوم خروج الأب من السجن بعد قضائه ثلاثة أشهر لرفضه التوقيع على محضر التخلي عن الأرض التي يسكنها- من أراضي تستغلها هذه العائلة منذ 1922، هذه العائلة التي تعيش حاليا في العراء تحت الخيام، وعائلة أمينة جبار التي قضت عقوبة سجنية لعدة أشهر بعد مطالبتها بحقوقها وتنديديها  بالحيف والظلم. 

وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء ضحايا نهب الأراضي المسترجعة والتشريد المأساوي تتم مؤازرتهم من طرف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

وبالنظر إلى تركيز اهتمامهم بالدرجة الأولى على الاغتناء الفاحش والسريع (ميليارديرات كوكوت مينوت) وتشكيل علاقات أخطبوطية مع أصحاب المصالح والريع والمشاريع الاقتصادية. 

فمنذ سنوات مضت، والسلطات الإقليمية والمحلية تحرص دائما على خلق مجالس جماعية على مقاس أهداف معينة لخدمة أجندة ضيقة بعيدة كل البعد عن مبدأ تحقيق الصالح العام و التنمية المحلية. وعليه فإن رؤساء بالجماعات الترابية يصبحون مجرد منفذين لأوامر وتوصيات تخدم ذوي النفوذ الإداري وأصحاب المشاريع الاقتصادية الريعية خاصة الجماعات الغنية والجماعات الترابية التي بها رهانات الافتراس لما تختزنه من خيرات وثروات (عين تيزغة، بوزنيقة، بنسليمان، المنصورية، الشراط).

والخطير ما تتعرض له الذاكرة الجمعية من تخريب واجتثات لكل معالم الإرث الطبيعي والثقافي، مما خلق استياءا عارما وعميقا لدى عموم الساكنة اتجاه هذا الفعل الشنيع.

حيث لم تسلم حتى الصخور من الاجتثات والتفتيت ومسح معالمها وأثرها كحال صخور بمحاذاة تجزئة شمس المدينة، والتي كانت تشرف بهالتها الجمالية على ضاية “بوبو” وعين الفيلاج كمورد مائي.

وهذا يجسد بالملموس أن الرأسمالية الريعية المتوحشة لا تقيم أي اعتبار لما هو تاريخي وجمالي وبيئي على الخصوص بحيث أنها تذهب في اتجاه تسليع وتبضيع كل شيء.

مما نتجت عنه عواقب وخيمة وكارثية على وضعية حقوق الإنسان بابن سليمان وكذا الخدمات الأساسية، حيث يعيش قطاع النقل بالإقليم واقعا مرا ومؤلما لارتباطه بمنطق الامتيازات والمكافآت. ويكفي أن نستحضر معاناة السكان مع شركة نقل الحافلات (لوكس) وأسطولها المهترئ واحتكارها لخط النقل منذ عقود رغم شكايات وسخط المواطنين. 

تتم التضحية بساكنة الإقليم وبمصيرهم على مستوى خدمات النقل إرضاء لشركة تقدم خدمات كارثية وتستغل ببشاعة عمالها وتشردهم. والشركة المستفيدة من خطوط التنقل بالإقليم منذ عقود لا تكتفي بخلق الأضرار للمواطنين فقط، وإنما تعمد الى الإضرار بعمالها ومستخدميها، وكذا استغلالهم وتشريدهم وتسريحهم دون تمتيعهم بأدنى الحقوق المشروعة. 

إذ أن ملفات العشرات منهم هي معروضة على القضاء لإنصافهم في مواجهتهم لهذه الشركة التي تحظى بامتياز احتكار الخطوط وعدم وجود منافس، وباللامبالاة اتجاه خدماتها الكارثية حيث أن الحافلات لاهترائها تتسبب في الحوادث وضحاياها كثر لدرجة أنها تنعت بصناديق الموت أو المقابر المتنقلة.

هذا الوضع يوضح تحكم السلطات العمومية في ميكانيزمات ومنابع الإنتاج وتوزيع الثروة وربط الاقتصاد الوطني بنظام الامتيازات والمكافآت لفائدة ذوي النفوذ وأصحاب القرب من دواليب السلطة. 

وعوض الاستجابة لطموحات السكان وتطلعاتهم يتم اعتماد تجديد العقدة مع نفس الشركة ضدا على مصالح السكان وطبيعة التحولات التي يعيشها الإقليم، والتي تفرض ضرورة فتح باب المنافسة على شركات أخرى تحترم أفق انتظار المواطنين، خاصة الطلبة الجامعيين الذين يعيشون محنة التنقل اليومي في ظل غياب مؤسسات جامعية بابان سليمان رغم التعهدات ووعود مجموعة من الوزراء ورؤساء الجامعات بخلق جامعات، علما بأن مدنا أصغر من ابن سليمان وأضعف من كثافتها السكانية خول لها هذا الحق في التعليم العالي. فمعاناة طلبة اقليم بنسليمان تزداد قساوة وظلما في ظل غياب مطاعم وأحياء جامعية عمومية بمدينة المحمدية لإيواء هؤلاء الطلبة الوافدين من عدة جماعات حضرية وقروية باقليم بنسليمان وخاصة الجماعات البعيدة كسيدي بطاش وبئر النصر ومليلة وأحلاف…ما يثير السخط والظلم الاجتماعي هو أن ألاف الهكتارات للوعاء العقاري والأراضي المسترجعة تمنح لذوي النفوذ والمسؤوليات كجزاءات وامتيازات لتمكينهم من الاغتناء الفاحش والسريع ولا تخصص هذه المساحات العقارية لمشاريع اجتماعية (مستشفيات عمومية، مؤسسات التعليم الثانوي والعالي، أحياء ومطاعم جامعية …) تعود بالنفع على إنتاج الإنسان وعلى المجتمع.

يتبع..

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية *

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى