
السفير 24 – بقلم : محمد رياض
صار ينتشر هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ يرفعه مربو ومربيات التعليم الأولي من أجل الرفع من أجورهم وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، ومعلوم أن هذه الفئة، كما يكشف عن ذلك واقعها، هي الحلقة الأضعف في المنظومة التربوية، فهي تعاني من حيف شديد على مستوى الأجور والوضع الاعتباري، علما بأن العديد من المربيات والمربين يمتلكون شهادات عليا في مختلف التخصصات الجامعية و لهم و لآخرين منهم تجربة طويلة في هذا الميدان، وسبق لبعض المربيات أن اجتزن مباريات للتوظيف في شقها الكتابي والشفوي أشرفت عليها بعض المديريات الإقليمية للتربية والتكوين، واشتغلن لمدة تقارب العقدين من الزمن أو تتجاوزها.
وعلى الرغم من أن التعليم الأولي قد حظي باهتمام بالغ ومكانة خاصة في مختلف برامج الإصلاح التربوي: الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999ـ 2009) والبرنامج الاستعجالي (2009ـ 2012) والرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015ـ 2030) اعتبارا لكون التربية ما قبل المدرسية ذات أهمية قصوى تهدف إلى تيسير التفتح البدني والعقلي والوجداني للطفل وتحقيق استقلاليته وتنشئته الاجتماعية وتمثل القاعدة والأساس المتين لتحقيق جودة التعليم، إلا أن وضعية المربين والمربيات في هذا القطاع هي وضعية هشة لا تسمح لهذه الفئة أن تحظى بالاستقرار أو الرضا المهني وتتعارض مع خطاب الجودة المنشودة، خاصة بعد تفويت قطاع التعليم الأولي إلى بعض مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني التي صارت بعضها تثقل كاهل المربين والمربيات بمزيد من المهام والمسؤوليات المتعددة وفي شروط عمل غير منصفة يشعر فيها هؤلاء العاملون بهذا القطاع بحيف كبير يطالهم مقارنة بالفئات الأخرى التي يتشكل منها الجسم التعليمي.
وإلى جانب ذلك فإن هؤلاء المربيات والمربين يجدون أنفسهم أحيانا أمام إكراهات علاقة تواصلية يطبعها عدم الانسجام في محيط اشتغالهم :
ـ آباء وأمهات وأولياء تتعارض انتظاراتهم مع التصور الحديث للتعليم الأولي والتربية ما قبل المدرسية، إذ لا يدرك الكثيرون منهم الأسس والمبادئ التي تؤطر الفعل التربوي في هذا القطاع وتوجه الممارسة التربوية للمربيات والمربين.
ـ تعامل بعض رؤساء المؤسسات التعليمية الحاضنة لأقسام التعليم الأولي بمنطق لا مبالاة واستعلاء نابع في الغالب من رفض غير معلن لتحمل عبء جديد ينضاف إلى مهامهم الإدارية وما ينتج عن ذلك من توتر وغياب الانسجام في العلاقة بينهم وبين المربيات أحيانا، خاصة في بداية هذه التجربة .
ـ ” مشرفون تربويون ” يفترض أن يكونوا من ذوي التجربة الميدانية والخبرة المكتسبة من الممارسة الصفية و التكوين النظري اللازم الذي يجب أن تتأسس عليه ممارسة مهامهم في التوجيه والمواكبة والتتبع، علما بأن هذه المهمة هي مهمة المفتش التربوي حاليا بعد أن اختفت وظيفة المتفقد التربوي الذي كان مكلفا بتأطير ومراقبة مؤسسات التعليم الأولي، هذا إضافة إلى ضرورة توفر الحس التواصلي المطلوب لإنجاح هذه المهمة وخلق الشعور بالرضا المهني لدى العاملين ، فالتواصل الإيجابي صار من المهارات اللازمة للقيام بالمهام ذات الطابع التربوي أو الإداري.
إن قطاع التعليم الأولي قطاع حيوي تطبع التعاطي مع موضوعه المقاربة الكمية التي تركز على توسيع العرض التربوي والتغطية العددية متمثلة في حساب تزايد عدد أقسام التعليم الأولي في مجموع ربوع الوطن، دون اهتمام حقيقي بما تتطلبه فضاءاتها من تجهيزات ووسائل تعليمية ومناهج محكمة وموارد بشرية مؤهلة ومحفزة ماديا ومعنويا.
إن واقع التعليم الأولي يكشف عن وجود اختلالات لازالت قائمة، رغم الجهود المبذولة في هذا الصدد، تهم النموذج البيداغوجي والجودة المطلوبة والحكامة بما في ذلك تسيير القطاع وتدبير موارده البشرية، وهي ناتجة عن تلك الضبابية التي وصمت، لفترة طويلة ، رؤية المسؤولين عن هذا القطاع، وتعدد المتدخلين وتباين وتضارب البرامج والطرائق المتبعة جعلته يبدو نتيجة لذلك خارج المنظومة منفصلا عن أسلاكها.
إن الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في اللقاء الخاص لانطلاق البرنامج الوطني لتعميم التعليم الأولي وتطويره في يوليوز 2018 ترسم معالم الطريق للنهوض بقطاع التعليم الأولي، ومما جاء فيها الدعوة إلى ” بلورة إطار مرجعي وطني للتعليم الأولي يشمل كل مكوناته لاسيما منها المناهج ومعايير الجودة وتكوين المربين، بالإضافة إلى تقوية وتطوير نماذج التعليم الحالية، لتحسين جودة العرض التربوي بمختلف وحدات التعليم الأولي، في كل جهات المملكة”.
إن أولى الأولويات للنهوض بالتعليم الأولي وتحقيق جودته ، انطلاقا مما توحي به هذه الرؤية ، هو الارتقاء بالمكانة الاعتبارية لرجال ونساء هذا القطاع ـ بمختلف مهامهم ـ بتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية من خلال الزيادة في أجورهم واستفادتهم هم أيضا من الخدمات التي توفرها مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، ومن تكوين تربوي متين يرتقي بممارستهم المهنية وينعكس على مردوديتهم التربوية ، كما يتطلب الأمر أيضا الاعتناء بفضاءات التعليم الأولي ـ هندسة وتجهيزاـ لتكون فضاءات تتناسب وتتلاءم مع حاجيات الأطفال في هذه المرحلة العمرية الحاسمة.
والواقع أن الحاضن الطبيعي والمباشر للتعليم الأولي يجب أن يكون هو الوزارة الوصية على القطاع، وأن يتم تكوين الفاعلين فيه من مربين ومربيات ومشرفين تربويين وإداريين وفقا لمعايير علمية وتربوية داخل فضاءات مراكز التكوين التابعة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ، وليتم إدماجهم الفعلي بعد تخرجهم منها في المنظومة التربوية كما هو الشأن بالنسبة لباقي فئات أسلاك التعليم الأخرى.
أستاذ التعليم الثانوي التأهيل *



