في الواجهةكتاب السفير

ضحية الواجب.. شهيد الواجب

ضحية الواجب.. شهيد الواجب

le patrice

* بقلم : عزيز لعويسي

في الوقت الذي عاشت فيه مدينة الدار البيضاء على مأساة المطاردة التي انتهت فصولها الدرامية بحادث مروري مميت أنهى حياة شاب في مقتبل العمر، وبوضع شرطي رهن الاعتقال بالسجن المحلي عين السبع على ذمة التحقيق، اهتزت مدينة إنزكان على خبر مقتل ضابط شرطة بعد تلقيه ضربة باستعمال السلاح الأبيض على مستوى العنق، لما تدخل لفض شجار نشب بين شخصين، قبل أن يفاجئه أحدهما بضربة غادرة على مستوى العنق تسببت له في جروح بليغة عجلت بوفاته بقسم المستعجلات.

الشرطي الأول، كان بصدد ممارسة مهامه الاعتيادية بالشارع العام ذات الصلة بتنظيم حركة السير والجولان وضمان احترام القانون، عاين مخالفات مرورية واضحة للعيان تجسدت في عدم ارتداء سائق دراجة نارية للخوذة والحمولة الزائدة بعدما تبين أنه – السائق – يقل خلفه فتاتين في انتهاك واضح للقانون، وقام بما يجب القيام به في مثل هذه الحالات، بمطالبة سائق الدراجة بالوقوف لاتخاذ المتعين بشأنه، إلا أنه لم يمتثل ولاذا بالفرار، بكل ما حمله هذا الفرار من عبث وتهور وانتهاك للقانون وتحقير لعمل الشرطة واستخفاف بالشرطي، ومن تهديد لسلامة مستعملي الطريق من سائقي السيارات والدراجات والراجلين، ومن شكوك حول مصدر الدراجة النارية وهوية سائقها والفتاتين المرافقتين له.

البعض رأى أن الشرطي كان عليه أن يتخذ مسلكا آخر قانونيا وآمنا بشأن السائق موضوع الفرار عوض اتخاذ قرار المطاردة الفورية للمعني بالأمر بالشارع العام لدفعه إلى التوقف والامتثال، وهذا الرأي صائب ولا يمكن الاختلاف بشأنه، لكن في ذات الآن، لابد أن نستحضر الظروف الذاتية والموضوعية التي أحاطت بالواقعة بل وباللحظة، من قبيل نفسية الشرطي على مستوى الراحة والقلق والتوتر والضغط، ومدى سلامته الصحية والنفسية، ومدى قدرته على التركيز وضبط النفس وحسن التصرف في ظل ضغوط العمل، ومدى قدرته الآنية على التبصر وتقدير حجم المخاطر المحتملة بشأن فعل المطاردة، ومدى استحضاره للأطر القانونية والضوابط المهنية التي تؤطر تدخله في الشارع العام، ومدى إحساسه بالإهانة والاستصغار لتجاهله من طرف السائق، ومدى تأثره نفسيا لعدم امتثال المعني بالأمر بالتوقف، ومدى إحساسه بالإهانة والغبن وهو يعاين مخالفات مرورية بادية للعيان، وبدون شك، فاللحظة كانت فجائية وسريعة، وربما لم تترك للشرطي أية فرصة للتفكير أو التأمل أو التبصر أو تقدير حجم المخاطر المحتملة، أو حتى استحضار لغة القانون والضوابط المهنية، فمالت كفته إلى “الواجب الوطني” دون التفكير أو التأمل أو الاستحضار، عبر اتخاذ قرار “المطاردة” لدفع السائق “الفار” رفقة فتاتين إلى التوقف والامتثال، حرصا على فرض هيبة القانون، وحماية لمستعملي الطريق من أي سلوك متهور للسائق، في لحظة كان بإمكانه – الشرطي – أن يغض النظر و”مريضنا ما عندو باس”، لكنه اختار طريق الواجب الوطني التي قادته إلى ما وراء القضبان.

الشرطي الثاني هو موظف شرطة برتبة ضابط شرطة، حديث التخرج من المعهد الملكي للشرطة، يشتغل بولاية أمن مراكش، استغل مناسبة عيد الفطر ليشد الرحال إلى مدينة إنزكان، لزيارة العائلة، ولم يكن يدري أنه يشد الرحال إلى نقطة “اللاعودة”، وهو بالشارع العام، حدث وأن عاين شجار بين شخصين، فتحرك فيه الضمير والواجب المهنيين، فتقدم نحوهما، في محاولة لفض الشجار القائم بينهما، للحد من وقوع أية جريمة محتملة من قبيل القتل والضرب والجرح، لكن تمت إصابته بطعنة بالسلاح الأبيض من طرف أحد المتخاصمين، أصيب على إثرها بجروح بليغة على مستوى العنق، عجلت بمفارقته للحياة وهو في ريعان الشباب وفي بداية مشواره المهني.

الشرطي الأول تموقع ليس فقط، في صلب مخالفات مرورية بادية للعيان، بل وأمام سائق دراجة مشكوك في أمره لعدم امتثاله بالوقوف وجنوحه نحو الفرار، بكل ما حمله ذلك من إهانة واستخفاف بمشاعر الشرطي، وفراره من الناحية الأمنية، قد يوحي أن الدراجة موضوع سرقة أو بدون وثائق، أو أن السائق يتعاطى للسرقات بالخطف، أو أنه ارتكب حادثة سير مميتة أو تسبب فيها، أو أنه ينشط في مجال ترويج المخدرات والأقراص المهلوسة، أو أنه موضوع مذكرة أو مذكرات بحث وطنية أو محلية من أجل التورط في فعل أو أفعال جرمية، وبدون شك، هذه الشكوك قد حضرت في ذهن الشرطي، وشكلت بالنسبة إليه قوة دافعة نحو التحرك والتدخل عبر مطاردة المعني بالأمر بنية دفعه إلى التوقف والامتثال واتخاذ المتعين في حقه قانونا، وبدون شك سعيا وراء التوقيع على تدخل ناجع، يحقق من خلاله المردودية الذي يتطلع إليها الرؤساء، لكن قدر الله ما شاء فعل.

الشرطي الأول يبقى “ضحية واجب مهني” لأنه تحمل المسؤولية وبادر إلى التدخل سعيا منه لإيقاف السائق “الفار” تطبيقا للقانون، أما الشرطي الثاني فهو “شهيد واجب مهني”، تدخل خارج أوقات العمل لحماية الحق في الحياة، لكنه فقد الحياة في لمحة بصر، وأمام كل واحد منهما، كانت فرصة مواتية للتراجع إلى الخلف، دون إقحام نفسيهما في أية مشاكل أو مخاطر محتملة تعكر صفو حياتهما الشخصية أو تعصف بمستقبلهما المهني، لكنهما اختارا طريق الضمير والواجب المهنيين، فحدث ما وقع من تراجيديا لم تكن في البال ولا في الحسبان، فالأول انتهت مطاردته وراء القضبان، والثاني حوله تدخله المهني والإنساني إلى خبـر كان، ومهما تباينت الظروف والمعطيات التي أحاطت بالواقعتين، إلا أنها تقاسما طعم المأساة بكل قسوتها وآلامها، إهانة واتهام وتحقير وتصوير وتشهير واعتقال للأول، ورحيل صامت للثاني إلى الأبـد.

بين الدار البيضاء وإنزكان، حضرت الصورة الحقيقية للشرطة بكل ما تحمله من جاهزية واستعداد وصبر وتحمل وتضحية ونكران للذات في سبيل فرض النظام العام وإنفاذ القانون وتكريس الإحساس بالأمن في أذهان المواطنين وتقديم الدعم لكل شخص في خطر، وذلك انسجاما ومقتضى المادة 12 من النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني التي نصت على ما يلي “يلتزم موظفو الأمن الوطني بالقيام بمهامهم ولو خارج أوقات العمل العادية”، وخاصة ما ورد في المادة 16 التي نصت على ما يلي : “يلزم موظفو الأمن الوطني بالتدخل من تلقاء أنفسهم، خارج أوقات العمل العادية، لتقديم العون لكل شخص في خطر، ولمنع وزجـر أي عمل من شأنه المساس بالنظام العام، ولحماية الأفراد والجماعات من الاعتداءات على الأشخاص والممتلكات”، وهذه الصورة حضرت مشاهدها بقوة في الكثير من الأصوات التي تأسفت على وفاة شرطي إنزكان، وتضامنت مع الشرطي قيد الاعتقال، وبعضها قام بوقفة تضامنية تنديدا باعتقال المعني بالأمر، واحتجاجا على تنامي ثقافة العبث والتهور والانحراف داخل المجتمع، وهذه الصورة الإيجابية، وازتها صورة أخرى مقرونة بالضبابية والارتباك، عبر عنها من أدلى بتصريحات صحفية تصف الشرطي بالقاتل، ومن أقدم بدون خوف أو حرج على محاصرة المعني بالأمر داخل سيارة الشرطة بتاريخ الواقعة، وتعريضه لشتى أنواع الإهانة والسب والتحقير والتشهير، في انتهاك واضح لحقوق الإنسان ولمبدأ قرينة البراءة، حتى قبل أن يدخل القضاء على الخط، وهذا يشكل مرآة عاكسة لمجتمع مزاجي، يطالب بالشرطة لما يتنامى الانحراف والإجرام أو يتم اتهامها بالتقاعس والتردد لما يحدث الضرر والاعتداء، ولما تتدخل في إطار الواجب الوطني وتخفق أو تحدث حوادث عرضية أثناء التدخل، تتم مهاجمتها واتهامها والمساس بصورتها، وهذا الوضع المأسوف عليه، يجعل الشرطة ليس فقط بين مطرقة القانون وسندان الواقع، بل ووجها لوجه أمام خطر الاعتداء والقتل والتهديد وكابوس الاتهام والعقاب…

وإذا كان اعتقال الشرطي/المطارد قد جعله وجها لوجه أمام بعض مقتضيات القانون الجنائي، فيصعب النبش في تفاصيل المواد الجنائية التي يكون القضاء قد أشهرها في وجه المعني بالأمر، وذلك احتراما لسلطة القضاء الذي يتحمل عناء وجسامة التحقيق فيما وقع من نازلة مثيرة للجدل، يصعب إخضاعها لصرامة النص الجنائي، وهذا القضاء، لابد أن يضع هذه النازلة في صلب الظروف الذاتية والموضوعية التي أنتجتها، بأن يسائل ما يؤطر تدخلات الشرطة في الشارع العام من أطر قانونية وتنظيمية بما في ذلك مسألة المطاردات، ويتأمل ما اقترفه الضحية من مخالفات مرورية وما أقدم عليه من عدم امتثال وفـرار، ويدقق في ظروف وملابسات السقوط الذي عجل بوفاته وإصابة مرافقتيه، ويتوقف عند “القادوس” بدون غطاء الذي عجل بعملية سقوط الدراجة، ويستحضر “الواجب المهني” ومبدأ “حسن النية” من جانب الشرطي، ويلتفت إلى النظام الأساسي الذي يؤطر عمل نساء ورجال الأمن الوطني من حيث المهام والحقوق والواجبات والالتزامات والترقي المهني والعقوبات الإدارية وغيرها، من أجل تشكيل صورة متعددة الأبعاد حول القضية.

وإذا كان من السابق لأوانــه، التنبؤ بنتائج التحقيق والحكم المحتمل الذي قد يطال الشرطي المعتقل، فما هو ثابت ومؤكد، أن اعتقال المعني بالأمر، ستكون له تداعيات مباشرة على نساء ورجال الشرطة، الذين باتوا يدركون أن الطريق إلى القضبان باتت قصيرة أكثر من أي وقت مضى، وهذا من شأنه التأثير على الأداء الشرطي وتكريس ثقافة الخوف والقلق والتوجس في صفوف الشرطيين، وربما التقاعس والتردد في محاربة مظاهر الانحراف والجريمة بالشارع العام، وفرض احترام القانون وبسط النظام العام، دون إغفال أن هذا الاعتقال المأسوف عليه، سيطلق العنان لممارسات العبث والتهور والانحراف والإجرام والانفـلات في أوساط العابثين والمتهورين والمنحرفين، وهذا ما لا نتمناه.

الشرطي المعتقل “ضحية الواجب الوطني” لابد من إحاطته بشروط المحاكمة العادلة ومن الحماية القانونية اللازمة، بما أن ما وقع له من حادث كان بمناسبة القيام بمهامه بالشارع العام، وهنا نوجه البوصلة نحو المادة 7 من النظام الأساسي التي نصت على ما يلي : “يتمتع موظفو الأمن الوطني بحماية الدولة وفقا لمقتضيات القانون الجنائي والقوانين الخاصة الجـــاري بها العمل، مما قد يتعرضون إليه من تهديدات أو تهجمات أو إهانات أو سب أو قدف …”، وفي هذا الإطار، ألا يمكن اعتبار فرار الدراجي/ الضحية وعدم امتثاله بالوقوف إهانة واستفزاز للشرطي واستخفاف به وبالإدارة التي يمثلها ؟ ألا تشفع هذه المادة للشرطي ليتمتع بحقه في الحماية القانونية من جانب إدارته المشغلة ؟ أليس من الضروري أن تتحرك الإدارة للدفاع عن موظفها المعتقل في إطار ما يكفله القانون، بشكل قد يقوي الإحساس الفردي والجماعي في صفوف موظفي الأمن الوطني بوجود إدارة مشغلة داعمة ومدافعة وحامية ومحفـزة؟ أليس من اللائق أن تنتبه الإدارة إلى أسرة الشرطي وإحاطتها بما يلزم من العناية الاجتماعية والنفسية في ظل ما تعرضت له من “تنمر” حامل لمشاعر الحقد والقساوة والتحقير؟ نأمل أن تتحرك المديرية العامة لاتخاذ ما تراه مناسبا من تدابيـر وإجراءات قانونية في حق موظفها الذي ربما أخطأ التصرف أو أساء التقدير في لحظة تعطل فيها التفكير والتقدير، لكن ما يشفع له أنه لم يتدخل إلا لتطبيق القانون ووضع حد لعبث وتهور المخالفين.

وفي جميع الحالات، ليس الشرطي هو من بداخل قفص الاتهام والاعتقال، هناك أسـرة داخل زنزانة الألم والقسوة والحسرة والشرود والضياع .. وهناك زملاء ومواطنين، ليس في جعبتهم إلا الدعاء والتضامن ..، وفي جميع الحالات، فالشرطي المعتقل يبقى بريئا إلى أن تثبت إدانته، ويبقى القضاء وحده من له صلاحيات تحديد درجة التجاوزات المحتملة المنسوبة إليه وتقييم مدى مسؤوليته فيما حدث، أما شرطي إنزكان، فنسأل الله له الرحمة والمغفرة ولذويه الصبر والسلوان، أما ضحية المطاردة، فنجدد له الرحمات ولأسرته خالص المواساة وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ونختم بالقول، أن هناك “حقوق متهم” و”حقوق ضحية”.. متهم بين القضبان وضحية بات في خبر كان، وهناك نصوص جنائية صارمة سيتم الاستنجاد بها لتحديد مستقبل الشرطي ضحية الواجب الوطني إما بإدانته أو تبرئته عند الاقتضاء أو التخفيف عنه على الأقل، والكرة بين يدي القضاء الذي نأمل أن يكون حكيما وواقعيا ومتبصرا، ولايمكن في خاتمة المقال، إلا التعبير عن مشاعر الأسف والحسرة، لفقدان شاب في ريعان الشباب في لحظة تهور، ولاعتقال شرطي تحول في لمحة بصر إلى متهم خلف القضبان، وإذا كنا نتقاسم كغيرنا مشاعر التضامن مع الشرطي الذي يؤسفنا تواجده رهن الاعتقال، فليس معناه أننا نطبع مع خرق القانون أو نشجع الشرطة على التجاوز والشطط، بل لأننا ضد ثقافة التسيب والعبث والتهور والانحراف والاستخفاف وانعدام المسؤولية والالتزام، وضد تحقير الشرطة وضد الاستخفاف بسلطة القانون وتبخيس المؤسسات، وضد العبث بالنظام العام، وإذا كنا اليوم ننعم بما نحن فيه من أمن وسلام وطمأنينة، فالفضل يرجع لجنود مجندة تشتغل آناء الليل وأطراف النهار في إطار من التضحية والصبر والصمود والتحمل، من شرطة ودرك وقوات مساعدة وجمارك وجيش، وهؤلاء يستحقون التحية والتقدير لأنهم حراس الوطن وعيونه التي لاتنام، كما يستحقون النظر إليهم بعين الرأفة وبما يلزم من الدعم والحماية إذا ما وقعوا- بحسن نية – في شباك التجاوز أو الاختلال بمناسبة أداء الواجب الوطني، أما العابثون منهم، فلابد أن تطالهم سلطة المساءلة والعقاب.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى