فن وثقافةفي الواجهة

تاريخ أعالي حوض ايناون الوطني بعيون جامعية

تاريخ أعالي حوض ايناون الوطني بعيون جامعية

السفير 24 

أهمية طرح سؤال الهدف من قراءة المغاربة لتاريخهم وماضيهم وخاصة ذاكرتهم الوطنية، هو ما يدفعنا اليه هذا الكتاب البحثي التوثيقي الجامعي، خاصة سؤال القراءة المقرونةٌ باستخلاص ما ينبغي من عِبَر ودروس فهماً للحاضِر واستشرافاً للمستقبل، وفق ما يقتضيه الأمر ويتطلبه من مسؤولية وتقديرٍ رصينٍ ودقيقٍ معا. هذا في سياق وتوجهٍ التاريخُ فيه ليس مجردَ سردٍ ولا أرشفةٍ وتدوين وتقييدٍ، بل أداةً للعبرة من أجل غدٍ أفضلَ تفعيلاً للماضي في الحاضر. ولعل الباحث في تاريخ المغرب التزامني المعاصر يجد نفسه مُثقلاً بسلسلة أسئلةٍ من قبيل، كيف نجعل التاريخ حافزا مُلهِماُ باعثا، وكيف يمكن قراءة فترة الاستعمار والمقاومة باعتبارها فترة تاريخية ممتلئة بتاريخ جريح، لنجعل من هذه الفترة مصدرَ إلهامٍ وليس مطيةَ الاستبداد بالتاريخ وفرضَ قراءةٍ أُحادية له. وإلى أي حد يمكن قراءة تاريخ المقاومة المغربية وفق مقاربةٍ ورؤية هادئة،- إدراك الاستعمار في حقل فكر متخلصٍ من الاستعمار- والحالة أننا نحيى مخلفات فترة الاستعمار، وإلى أي حد يمكن نِسيان أسئلة عدة محرجة مثل: كم عدد ضحايا الغزو الاستعماري للمغرب من قتلى وجرحى ومعطوبين ومرضى نفسيين ومعوِزين ومهجرين وغيرهم، وماذا عما صُودِرَ من وثائق وتراث وما حجم ما تسبَّب فيه فعل الاستعمار من هوة وتأخر ونكوص تاريخي وتشويهٍ وتضييع للحدود، وماذا طور المستعمر وهل كما دخل خرج أم زيَّف وغيَّر وحرَّف، وإلى أي حَدٍّ يمكن للمؤرخين المغاربة والباحثين قراءة تاريخ المقاومة المغربية قراءة هادئة بعيداً عن التفاعل.

بهذه الاشارات والأسئلة والجدل المعرفي التاريخي المنهجي، استهل الدكتور سمير بوزويتة الباحث في التاريخ وعميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بفاس، تصديرا عميقا لكتاب بحثي موسوم بأعالي ايناون في المشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب خلال فترة الحماية لمؤلفه عبد السلام انويكًة، والصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط، في طبعة أولى بأزيد من أربعمائة صفحة ضمن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين واعضاء جيش التحرير. قبل أن يضيف أن هذه الأسئلة وغيرها هو ما أجاب عنه هذا المؤلف والتأليف برصانةِ وحُنكةِ باحثٍ متمرسٍ نجح بوضعِهِ للقارئِ في قلب هذه الإشكالات. مضيفاً أن ما يستبطنه المؤلَّف دفع لإبراز كون الجغرافيا هي الذاتُ ذَاتُها بهذه الأعالي حيث ممر تازة، وحيث قبائل البرانس واتسول وغياتة التي باسمها تنطق الجغرافيا كقبائلَ مغربيةٍ مجبولةٍ على حب الوطن. ومن هنا يقول فالكتابُ وهذا التأليف الأكاديمي هو قيمة مضافة في حقل تاريخ المقاومة المغربية عموماً ومقاومة قبائل تازة تحديداً، ينضاف له ما تميز به من قوة أسلوبٍ ودقة تعبيرٍ وعمق منهج ورؤية وتصورٍ، أضفى عليه طابع التميز والجِدَّة. 

وفي تصدير ثان للمؤلف وضعه الدكتور جمال الحيمر الأستاذ الباحث في التاريخ بكلية الآداب والعلوم الانسانية بمكناس، أورد أن كتاب  أعالي ايناون في المشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب، يدخل ضمن التاريخ المحلي الجامعي وضمن توجه استوغرافي كمقاربة تعود بداياتها لمنتصف سبعينيات القرن الماضي، تأسيساً على قناعة أهمية التاريخ المحلي الجزئي كبوابة ناجعة للإحاطة والتبصر بمختلف قضايا تاريخ المغرب. وأنه مع الاقرار بما طبع هذا الورش التاريخي من تفاوت ملحوظ بين مستويات الأبحاث المنتمية لهذا التيار، من حيث التصور والمقاربة والتوثيق والتحليل والربط بين الخاص والعام. فإنه من المؤكد أن هذه المدرسة التاريخية المغربية، كانت بمساهمة هامة من موقعها في تحقيق تراكم نسبي كمّاً وكيفاً في حركة التأليف التاريخي الجامعي. وهو ما تجلى في استغلالها المكثف لإمكانات مصدرية متعددة الأصول، وتناولها لوقائع تاريخية مغربية من منطلقات نابعة من واقعها من جهة، وفي قدرتها على الدحض العلمي لأطروحات الأستغرافيا الاستعمارية، التي أولت ظواهر وتنظيمات المجتمع المغربي تأويلا يتماشى والأهداف الاستعمارية من جهة أخرى.  

ومن هنا – يضيف الدكتور جمال الحيمر- تأتي أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية، الذي يحق اعتباره لبنة من لبِنَاتِ ورش تاريخ البادية المغربية. إذ أبان صاحبه من خلال ما أنجزه حول تازة وأعاليها عن طموح علمي هادف وسعي حثيث، إسهاماً منه في رد الاعتبار لتاريخ الهامش وإبراز هوية الكيانات المحلية وصيانة ذاكرتها ضمن رباط وطني جامع. ولا شك أن ما ورد في الكتاب منهجاً وإشكالا يضفي عليه كامل المشروعية العلمية والتاريخية. وأنه إذا كانت الجِدَّة والأصالة أهم ما اتسم به هذا العمل التاريخي العلمي الجامعي، فإن هاتين الميزتين تجلتا فيما أسفر عنه من قيمة مضافة على مستويين إثنين. أولهما إسهامه في إغناء حقل التاريخ العسكري للمغرب على عهد الحماية، وثانيهما رصده الرصين وتحليله الدقيق لكيانات ومكونات أعالي حوض ايناون الطبيعية والبشرية، وهو ما يعتبر بحق إضافة نوعية في حقل تاريخ البوادي بالمغرب. ولعل ما جاء في الكتاب- بضيف- من دقة تخص ما تم الكشف عنه حول مجال تازة، الذي شكل هدفاً رئيسياً في استراتيجية التوغل الفرنسي بالمغرب، وما بُذل من جهدٍ كبيرٍ في سبيل توسيع وتنويع وحُسن توظيف المضَانِّ المعتمَدة، يجعل هذا العمل العلمي عملاً متميزاً بقيمة مضافة هامة لفائدة المكتبة التاريخية المغربية.

أما الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي لقدماء المقاومة واعضاء جيش التحرير، فقد أورد في تقديم بثمان صفحات، أن كتاب أعالي ايناون في المشروع الاستعماري بالمغرب يكتسي أهمية كبرى وقيمة تاريخية ثمينة، لكونه قارب موضوعا من مواضيع التاريخ الخاص والجزئي الذي يؤثث الذاكرة التاريخية المحلية باعتبارها مكونا لذاكرة وطنية، وجب ايلاءها ما هو جذير به من مجهود البحث والتنقيب والتوثيق لمضامينه ومكنوناته في غناها وتنوعها وبهائها. مضيفا أنه لو جند كل واحد قلمه لدراسة الأحداث التي شهدتها مدينته أو جهته، لبلغنا حصيلة من شأنها توثيق الكثير من صور الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وكذلك الوطنية التاريخية، التي تظهر أن المغرب ظل يقظا صامدا أمام كل ما استهدفه من محاولات لنسف كيانه، ولا شك أن كل جهة من جهات المغرب هي بحاجة لهذه العناية، لأن كل بقعة من بقاع البلاد تتوفر فعلا على تراث وطني ضخم ومتنوع. مضيفا أن ما احتواه كتاب اعالي ايناون في المشروع الاستعماري من مضان تاريخية وطنية بقيمة عالية، هو ما جعل المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تحتضنه دعما منها للبحث التاريخي الرصين، ولهذا الموضوع الذي حضي بدراسة وتحليل وجهة من المجال المغربي وفق المرجعية المونوغرافية، توسيعا للمعرفة التاريخية بهذه الجهة والمجال وتجاوز ما شاب الكتابة التاريخية التقليدية والكولونيالية من نواقص وهفوات. علما أن مثل هذه المقاربات من شأنها بلورة تاريخ شامل للبلاد من جهة والانخراط من جهة ثانية في ورش التاريخ المحلي الذي بات ورشا مفتوحا ينجذب اليه الباحثون، كمصدر لا غنى عنه لاثراء الرصيد التوثيقي للتاريخ الوطني العام للمغرب كما ونوعا.

ويقول الدكتور مصطفى الكثيري في تقديمه لهذا المؤلف، أن الباحث عبد السلام انويكًة جسد بعمله البحثي نقلة نوعية ولجت فضاء البحث الميداني بعزم وادراك لأهمية هذا التوجه في البحث التاريخي حول حاضرة تازة وأعاليها، تلك التي سبر أغوارها وتمكن من اعادة تشكيل محطات ومراحل مؤثرة من تاريخها، ولا سيما ما تعلق بدورها في معترك المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الأجنبي. ويذكر الأستاذ الكثيري أن الباحث سلك سلوك التروي والمزيد من اليقضة والحذر عند قراءة وتقييم الكتابات الأجنبية حول التاريخ المغربي، من زوايا اهتماماتها المحصورة في ميولات استعمارية وطموحات استفرادية. ومن الواضح بقوم في ختام تقديمه أن الكتاب هو ثمرة اجتهاد فكري وعصارة بحث تحليلي، ينضاف لرصيد المعرفة التاريخية الوطنية ليثريها، وهي التي تشكل مراجع حقيقية هامة من شأنها تحصيل وصيانة الذاكرة التاريخية الجمعية والمحلية. وأن فرادة الكتاب وجِدته تتجلى في ابرازه روائع الكفاح الوطني لمنطقة من جغرافيا التاريخ النضالي للمغرب والمغاربة في وجه المستعمر، الذي راهن عليها لتثبيت نفوده وبسط سيطرته على البلاد عبر ممر تازة الاستراتيجي بين شرق البلاد وغربها.         

وكتاب اعالي ايناون في المشروع الاستعماري بالمغرب، تحكمه كرونولوجياً منهجية بحدثين فاصلين ومؤثرين في تاريخ مغرب مطلع القرن الماضي، حيث تطورات فترة دقيقة توزعتها وقائع إحكام سيطرة على تازة الممر والمدينة ووقائع صدى وتفاعل ونهاية حرب الريف في علاقتها بالمنطقة. وهو بواجهة خارجية تتوسطها خريطة عن الأرشيف الفرنسي، تهم جزءاً من مجال هذه الأعالي ذات الطبيعة الجبلية الفاصلة المغربين الشرقي والغربي. كتاب يتأسس على بيبليوغرافيا هامة باللغتين العربية والفرنسية وعلى سند وثائقي عن الأرشيف الفرنسي لمغرب الحماية، ويتوزع على محاور تبسط لِما هو فزيائي وبشري يخص تميز المنطقة من المجال المغربي، ويعرض لمحطات وأحداث وتطورات طبعت المغرب خلال هذه الفترة. مع تركيز على موقع أعالي ايناون الاستراتيجي في خريطة انشغالات الأطماع الاستعمارية الفرنسية، وعلى بعض سبل إعداد المنطقة لتحقيق التوغل في المغرب استكمالا لمشروع استعماري فرنسي في شمال افريقي تابع. 

وقد خلص المؤلف في كتابه الى أن تاريخ المغرب العسكري عموماً وتاريخ تازة خلال فترة الحماية، هو هو بحاجة لمزيد من البحث والدراسة بما يُسهم في معرفة تاريخية أكثر دقة، من شأنها تجاوز قراءات سسيولوجية استعمارية طبعتها أحكام غير سليمة ولا دقيقة ومنصفة. وأن الكتاب كعمل مقارن يبين ما يكتسيه تاريخ المغرب العسكري من أهمية وما يحتويه من ملمح تفاعل عرفته البلاد، والذي بقراءة وقائعه العسكرية وتتبعها يمكن بناء جدلٍ بين ما كان عليه وضع المغرب الداخلي في علاقته جوار جغرافي وسياسي وبما كان عليه الشأن الخارجي خلال هذه الفترة الحرجة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى