في الواجهةكتاب السفير

عبادات رمضان وممارستها من وجهة نظر سوسيولوجية

عبادات رمضان وممارستها من وجهة نظر سوسيولوجية

le patrice

*بقلم د. يسين العمري – دكتور في سوسيولوجيا الدين والسياسة

تقديم:

تعنى السوسيولوجيا بدراسة المجتمعات الإنسانية والظواهر الاجتماعية، وللمجتمعات الإسلامية في شهر رمضان الأبرك عبادات ومعاملات تستحقّ الوقوف عندها من الناحية السوسيولوجية بنوع من الاستبصار.

أولا: فلسفة الصوم ما بين الإيجابيات المفترضة والسلبيات الموجودة:

الهدف الأسمى من الصوم بالإضافة إلى تزكية النفس والسعي لسموّها، له فلسفة اجتماعية رفيعة المعنى، فهو يهدف لجعل أفراد المجتمع (بالأخصّ أغنيائهم) يشعرون بفقر الفقير وحاجة المحتاج، يشعرون بإحساس الجوع والعطش والحرمان الذي يحسّ به السائل والمحروم والجائع من فقراء المسلمين.

وإن كان الصوم يفترض أن يستجلب معه كل ما هو إيجابي (صدق وهمّة وسموّ أخلاق ورفعة في التعامل والبرّ وإطعام المساكين وموائد الرحمان)، لكن واقع الحال من معاينة المجتمعات الإسلامية والاختلاط مع أفرادها، يجعلنا نرصد أشياء أخرى بعيدة عن أهداف الصوم وفلسفته من تحويل رمضان إلى شهر الأكل المفرط والسهر المفرط والكسل طيلة النهار ومشاهدة المسلسلات طيلة الليل، ووجود ظاهرة “الخيمة الرمضانية” في دول كثيرة، وهي تعني الليالي الساهرة في بعض المقاهي حيث الغناء والرقص واستهلاك الشيشة… إلى آخره.

كان شهر رمضان حافلا بانتصارات المسلمين على خصومهم، ولعلّنا نذكر غزوة بدر الكبرى وفتح الأندلس ومعركة عين جالوت ضدّ التتار، وانتصارات سادس أكتوبر ضدّ الكيان الصهيوني، لكن رمضان أضحى لدى قسم ليس بالهيّن من الناس مناسبة موسمية لارتياد المساجد بملابس تقليدية أنيقة، والتنافس على صنع ألذ وأشهى الأطباق، وكما أسلفت إدمان المسلسلات وسهر الليل والكسل بقية النهار.

ثانيا: صلاة التراويح شعور جمعي بالوحدة وبلذة الروحانيات:

لصلاة التراويح – بغضّ النظر عن الجانب الديني- سحر خاصّ ولذّة غير مفهومة، فاكتظاظ المساجد بآلاف المصلين، وتنافس الأئمة في تزيين القرآن الكريم بأصواتهم بالترتيل والتجويد، وحرص المصلين على حضور الصلاة بأفضل الثياب وأزكى الروائح، ممّا يمزج ما هو روحاني ديني بما هو دنيوي بشري، فتتّصل سعادة القلب والروح ببهجة الجسد.

إن توحّد الصفوف وتقارب الأجساد يوحي بالوحدة والتآزر، وهذه ميزة من ميزات الصلاة عموماً، شأنها شأن الحجّ، حيث وجود انطباع وإحساس قوي بمفهوم الأمّة والجماعة، هذا الشعور بالانتماء هو جزء من الهوية الجماعية المبنية على الثقافة والفكر كمحدّدين لتلك الهوية وخصوصياتها، والاندماج فيها والانجذاب لها.

لكن بانتهاء الصلاة وعلى غرار صلاة الجمعة، يتكالب الباعة على المصلون ليعرضوا بضائعهم، ممّا يخرج المصلّين من حلاوة الاتصال بالله ومع الله.

ظاهرة أخرى أتأسّف على ذكرها، وتأتي بعد صلاة التراويح مباشرة، وهي إقبال نسبة كبيرة من شباب المسلمين على المواقع الإباحية: وأكبر ثلاث دول هي مصر أولا، العراق ثانيا، والجزائر والمغرب بالتساوي في الرتبة الثالثة. ويمكن تصنيف هذا من باب النفاق الاجتماعي، حيث يذمّ الكلّ الإقبال على تلك المواقع، لكن عددا غير هيّن يدمن عليها في هذا الشهر الفضيل، من باب يكثر التعلّل منها والعِثَار فيها.

ثالثاً: موائد الرحمان وزكاة الفطر أشياء تظهر التضامن بين فئات المجتمع:

ممّا يمكن القول معه بوجود تضامن اجتماعي وتآزر في المجتمعات، ظاهرة ما يعرف ب”موائد الرحمان”، وهي موائد لإفطار الصائمين التي تتكفّل بها جمعيات أو محسنون منفردون لفائدة المحتاجين من الغرباء والفقراء، وكذلك تجد في الأحياء الشعبية تسرع الكثير من العائلات لتقديم الطعام لمن يحتاجه حتى ولو يطلبه من قبيل بعض الشباب ممن جلبتهم ظروف العمل للإقامة في هذه المدينة أو تلك أو عابر السبيل… الخ.

ويختتم هذا الشعور الجمعي بالتضامن والتكافل بنهاية رمضان بزكاة الفطر من حيث إغداق بعض المال على فقراء المسلمين والأرامل ومن يستحق الصدقة، وإدخال الفرحة على الصغار بشراء ملابس جديدة لهم، وكذلك تبادل الزيارات وصلة الرحم وصلح ذات البين بين المتخاصمين، وكلّها معاني نبيلة تقوّي الإحساس الجمعي.

خاتمة:

كان هذا غيض من فيض وشذرات أو ومضات، من تسليط الضوء على بعض العبادات الرمضانية من وجهة نظر سوسيولوجية، وما يرتبط بها من أشياء جميلة ومنفّرة أثناء ممارسة تلك العبادات.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى