السفير 24 – د. يسين العمري
المستهل:
أنطلق في هذا المقال بالتذكير بمقولة مارتن لوثر كينغ، حيث قال: “أسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة”. إنّ الانتماء لوطن ما أو لثقافة ما أو دين ما يفرض على المواطن العادي وبالأحرى بالمثقف ألا يسكت أو يتساهل مع ما يهدّد “الأمن الروحي” و”التماسك الاجتماعي” لوطنه أو ثقافته أو دينه، وما سنناقشه في هذا المقال يمسّ بالوطن وبالثقافة وبالدين معاً، ممّا يفرض خوض حرب لا هوادة فيها لاستئصال بعض الميكروبات والطفيليات الدخيلة على مجتمعنا المغربي، والتي باتت تسبّب لنا جميعاً كمغاربة هذا الصداع المزمن، معذرة فلا حياد في قضايا الوطن، وبالتالي كمثقف مغربي غيور على بلده وأبناء شعبه، أعتبر هذا المقال من باب جهاد الكلمة والقلم، لعلّه يجد صدىً لدى من يهمّهم الأمر.
بعد هذا المستهل، نطرح التساؤل الآتي: هل باتت ظاهرة اجتماعية ما يسمى ب “روتيني اليومي”، أو لنقلها بمنتهى الصراحة قيام بعض “الموتورات” من خلال موقع “يوتيب” باستعراض مؤخراتهن وصدورهن وأردافهنّ وكلّ مفاتن أجسادهنّ؟
قبل الجواب سنحاول عرض تعريف الظاهرة الاجتماعية، ولن نجد أفضل من إيميل دوركايم مؤسس علم الاجتماع لنستعين بتعريفه في هذا السياق، فدوركايم يرى أنّ الظاهرة الاجتماعية هي كلّ مجال من السلوك ثابت كان أو غير ثابت، يمكن أن يمارس نوعاً من أنواع القهر الخارجي على الأفراد، أو هي كلّ سلوك ينتشر في المجتمع بأكمله”.
وعندما نرصد وتيرة انتشار “روتيني اليوم” التي يمكن تشبيهها بانتشار النار في الهشيم، حيث باتت وسيلة لجلب المال والشهرة، وحجم تأثير ذلك على الكثير من النسوة والفتيات بالمغرب، وكذلك افتتان الكثير جدا من الذكور بها، فإنّنا نخاطر بالقول بأنها باتت ظاهرة اجتماعية أو كادت أن تكون. فمن المسؤول عن انتشارها؟ ما أسباب ذلك وما نتائجه؟ وكيف نحارب هذا المرض الاجتماعي الخطير؟
1- تحديد المسؤوليات:
أ- الأسرة:
أول مسؤول في تقديري هي الأسر، فالأكيد أنّ أولئك الساقطات تنتمين إلى أسر، فهنّ لسن من سكّان المريخ، بل هنّ مغربيات شئنا أم أبينا، وإذن لمحاربة مرض ما وجب أول الأمر أن نعترف به، حتى نتمكّن من تشخيصه تشخيصاً صحيحاً، والأكيد أنّ التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية التي نشأت فيها هؤلاء النسوة “المنحرفات” ليست بالبيئة السليمة قطعاً ويقيناً، فالتربية السليمة لا تنتج مثل هذه الأشكال، وللتأكيد على دور الأسرة السلبي في بروز هؤلاء الطفيليات، هو أنّ بعضهنّ يقوم أزواجهنّ بتصويرهنّ برضاهم وإرادتهم، طمعاً في الدراهم، وكلّنا يعلم أنّ الدين الإسلامي يسمّي من يقبل بالفاحشة في أهل بيته ويسكت بأنّه “ديوث”، لا ينظر الله إليه ولا يكلّمه يوم القيامة. والأقرب للصواب أو الراجح لديّ أنّ هؤلاء المنحرفات نشأن في أسر لم تكن عملية التربية داخلها سليمة ومتوازنة، فظهر لديهنّ هذا الانحراف.
ب- الدولة:
شخصياً أعتبر الدولة مسؤولة مسؤولية أصيلة وثابتة، فسكوتها “المريب” عمّا يقع لا يمكن معه إلا طرح التساؤل لماذا؟ نعرف جميعنا أنّ القانون الجنائي المغربي في المادة 502 مثلا يجرّم التحريض على الفساد بالقول أو الكتابة أو غيرها من الوسائل، ويجرّم أيضا الاتجار بالبشر القانون 27.14 والمادة 448 من القانون الجنائي… الخ مواد كثيرة لو تمّ تفعيلها، لتمّ الزّجّ بتلك “الميكروبات” إلى غياهب السجن، نظير ما اقترفته “مؤخّراتهن” من إجرام في حقّ شباب وبنات المغرب، وتكفيهنّ خزياً تلويث وتشويه سمعة المغرب كبلد، والشعب المغربي رجالاً ونساءاً، حتى بات المغاربة يُعَايَرون بروتيني اليومي، وهو ما بات معه واجباً وفرضاً على الدولة التدخّل لقطع دابر هؤلاء الفاسدات المفسدات.
ج- الفقهاء والعلماء:
لم نرصد تفاعلاً حقيقياً للأئمة في خطب الجمعة، ولا للفقهاء والعلماء والوعّاظ عبر الدروس والمجالس العلمية، سواء من خلال الإذاعة أو التلفزيون أو الأنترنت، يتصدّون لهذه الآفة المشينة، وبدوري أساءلهم يا علماء الأمّة المغربية أينكم من هذا الفساد المبين؟ أين جهاد الكلمة؟ أين النصيحة لعموم المسلمين؟ أين محاربة المنكر؟ لماذا لا نكاد نراكم إلا في مناسبات محتشمة وفي مواضيع للأسف “تافهة” كالاحتفال بعاشوراء وذكرى المولد؟ أنتم مع الأسر والدولة لكن نصيب وافر في استمرار واستفحال هذه الظاهرة، ولا أحتاج لتذكيركم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “الساكت عن الحق شيطان أخرس”.
د- الإعلام:
يستمرّ إعلام المغرب في غالبيته الساحقة، في معركته الشرسة لتغييب العقول واستحمار الناس، تارة بنشر التفاهة، وتارة بتلميع التافهين، وتارة بإلهاء الناس بالمخدرات العقلية كالكرة والسهرات ووو، هذا الدور القذر الذي يمارسه الإعلام المغربي في عمومه إلا من رحم ربّك، يجعلنا لا نترجى خيراً من أن يقوم بتنوير الناس ولفت انتباههم لخطورة ظاهرة “روتيني اليومي”، وما تنشره من تفاهة وسفالة وقلّة أدب، هذا الإعلام الذي أتخيّله أحياناً وكأنّ مدير النشر ورئيس هيئة التحرير فيه هو إبليس شخصيا أو المسيخ الدجال أو عائلة روتشلد الماسونية.
ه- المجتمع المدني:
ما سبق أن قلته عن جلّ الأطراف المسؤولة مسؤولية أصيلة في تفشي “روتيني اليومي” أقوله عن جمعيات حقوق الإنسان، والجمعيات النسائية بالأخصّ، فهؤلاء الجمعيات صدّعوا رؤوسنا بالشعارات الرنّانة والبرّاقة من قبيل: “النضال” “حقوق المرأة”…الخ، يؤسفني أن أقول تلك شعارات تستغلونها وترتزقون بها فقط، وإلا فعلى الميدان لم نَرَ لكنّ يا معشر المناضلات سوى التصدّي للحجاب واعتباره شكلا من أشكال اضطهاد المرأة، ونظّمتم في المغرب مؤتمرات مموّلة بسخاء من أسيادكنّ في الغرب مثل مؤسسة أمريكان فريدوم هاوس، للنيل من الحجاب الذي هو شكل من أشكال التديّن والهوية، ولم نراكم تحاربن ضدّ “روتيني اليومي” الذي يختصر المرأة في “مؤخرتها” و”أفخاذها” و”صدرها”… أينكنّ من النضال ضدّ هذا الاستغلال الفجّ لجسد المرأة؟
و- الفنانون والمؤثرون:
لم نرصد أيّ عمل فني عبر السينما أو المسرح أو الإشهار أو غير ذلك يحذّر من فتنة وخطورة “روتيني اليومي”، لتبقى الأعمال الفنية الموجودة على الساحة تجترّ ما سبق، وتتميّز بالرتابة والتفاهة، وكما يسمّيها المغاربة “الحموضة”، وحتى المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي قلّما تفاعلوا مع الموضوع، إلا نادراً.
إذن بعد محاولة تحديد المسؤوليات والمسؤولين عن الظاهرة، أنتقل إلى عرض بعض أسباب ظاهرة “روتيني اليومي” المشينة.
ز- المثقفون:
المثقف هو صاحب رأي وقضية يدافع عنها، ولو أدّى حياته ثمناً، المثقف هو من ينخرط في هموم مجتمعه، وعلى هذا الأساس يجب على المثقفين المغاربة عدم إهمال التصدي لهذه القضية، بل على العكس وجب الانخراط في حملة وطنية كبرى، كلّ في مجال تخصصه، عبر الكتابات والكاريكاتير والمؤتمرات التي تعرّي الظاهرة، وتتعرض لها بالنقد والتحليل.
2- أسباب تفشي فيروس “روتيني اليومي”:
أ- الواقع الاجتماعي والاقتصادي:
تبرّر بعض من تمارسن “الدعارة” تحت يافطة “روتيني اليومي” لجوئهنّ لهذا الأمر، تحت ذريعة الفقر والحاجة للمال، وعدم وجود شغل… الخ، هذه النقطة أدرجها رغم أنني لا أتفق ولا أؤمن بها بتاتاً، فالحرةّ تموت ولا تزني أو تأكل من عرق أعضائها الجنسية، لكن نسوق الأمر من باب عرض ما تبرّر به بعضهن ما تقوم به من سوء العمل.
ب- حب الشهرة والمال:
طبعاً يعتبر هذا العامل دافعاً مغرياً لأولئك النسوة اللواتي تبعن شرفهنّ وسمعتهنّ وسمعة عائلاتهنّ، فالوقوف أمام كاميراً، وتسجيل فيديو يراه عشرات ومئات الآلاف من المشاهدين “المكبوتين”، وإظهار المفاتن، وترقيق الصوت، والتمايل… الخ من الأشياء “البورنوغرافية”، لا يأتي لمجرّد العرض وفقط، بل أكيد أنّ ورائه رغبة في جني الأموال من خلال ارتفاع عدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات… الخ، ممّا يرفع أسهمهنّ ماديا وعلى مستوى الشهرة.
ج- تساهل الدولة وغياب المحاسبة:
ما كان لهذا التسيب وهذه الفوضى أن تستمرّ وتتفاقم لو كانت الدولة تتدخّل بمنتهى الصرامة لتراقب محتوى تلك الفيديوهات المخلّة بالحياء والمحرّضة على الفساد، وتحاسب كلّ من تسوّل لها عرض بضاعتها الكاسدة علينا.
د- سكوت أو تواطؤ الفاعلين الاجتماعيين:
نقصد بالفاعلين الاجتماعيين مجتمع مدني، جمعيات نسائية، جمعيات حقوق المرأة، جمعيات مناهضة للاتجار بالبشر، المثقفين، الفقهاء والعلماء، الفنانين، الإعلاميين، المؤثرين المعروفين في وسائل التواصل الاجتماعي… الخ. وهؤلاء جميعم صمتوا صمتا مريبا هو أقرب للتواطؤ، ممّا شجّع معشر نسوة “روتيني اليومي” على الاستمرار.
3- النتائج وكيفية محاربة “روتيني اليومي”:
لعلّ من أبرز النتائج شيوع الفاحشة والفتنة، وافتتان عدد غير يسير من شباب وشابات المغرب بهذه الظاهرة، بل محاولة تقليدها، ومن نتائجها أيضاً أنّها أساءت لسمعة المغرب كبلد وللمغاربة كشعب، وخاصّة للمغربيات، وهو أمر لا يمكن قبوله أو السكوت عنه أو التساهل معه، فالمغربية أميّ وأختي وزوجتي وبنتي، وأستاذتي وطالبتي، وزميلتي في العمل… الخ، المغربية هي العالمة والمهندسة وربّانة الطائرة، المغربية هي بطلة المصارعة والجيدو والكاراتيه… الخ، لا ينبغي اختصار المغربيات وصورتهن في “روتيني اليومي”.
ما ينبغي القيام به باختصار، أن يتمّ فضح هذه الظاهرة وتسليط الضوء عليها إعلاميا، وأن يتصدّى لها العلماء والمثقفون بأقلامهم وكلماتهم، والفنانون بأعمالهم وإبداعاتهم، والإعلام بالربورطاجات والمقالات والتحقيقات، والدولة بالشرطة والنيابة العامة والقضاء لزجر كلّ من تسوّل لها نفسها الفساد والإفساد، والمشرّع بالتشدد في سنّ قوانين أكثر ردعاً. نعم يجب الضرب بيد من حديد.
خاتمة:
لا نملك إلا أن ندين بأشدّ العبارات ونستنكر هذا المرض الاجتماعي المسمّى روتيني اليومي، لأنّه يسيء إلى سمعة بلد، ويسيء إلى شرف بنات بلدنا، ويحطّ من هيبة وكرامة رجال بلدنا، هذا أمر لا يجب السكوت عنه، ولا يجب أن يمرّ مرور الكرام، بل بات فرض عين على كلّ مغربي ومغربية التصدّي له بكل ما أوتي من قوّة، بهدف استئصاله إلى غير رجعة، لأنّه أمر يتعلّق بسمعة الوطن والمواطنين، يجب أن نعلن حرباً مقدّسة ضدّ هذا التخريب لمنظومة قيمنا.
علاقة لا ملحوظة لها بما سبق:
مع الامتحانات الجامعية عادت ظاهرة الغش في الامتحانات لتطلّ علينا بوجهها القبيح، وهذه الظاهرة بدورها تستحقّ الوقوف طويلاً عندها لرصد الأسباب والمسبّبات، وتحديد المسؤوليات، وتفعيل استراتيجية وطنية لمحاولة الحدّ منها، فكيف نتحدّث عن الإبداع الفكري في جامعات نخر الغش عظامها؟ عن أيّ تكافؤ حظوظ نتكلمّ وهناك شريحة كبيرة جداً من الطلبة والطالبات تعتمد الغشّ وسيلة للنجاح؟ اين المسؤولون والأساتذة من هذا كله؟ ما ذنب الطالب الذي يجتهد ويعتمد على ذاته فيحصل على نقط أقل من الغشاش، وبالتالي تتقزّم حظوظه في متابعة دراساته العليا أو التوظيف؟ لنا عودة لهذا الموضوع بحول الله، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والمثقف له رسالة يجب أن ينزل من برجه العاجي ليقوم بتأديته خدمة لقضايا وطنه وبني جلدته، مهما كلّفه الأمر، وإلا فعلى الدنيا السلام.
دكتور في علم اجتماع السياسة والدين*



