في الواجهةكتاب السفير

الأسماء والمسمّيات والأخطاء القاتلة

isjc

* د. يسين العمري

اللغة حسب ابن جني هي ما يعبّر به قوم عن أغراضهم، فمثلاً عندما نقول طاولة أو كوب أو باب، فإنّ الصورة التي تأتي على أذهان كلّ الناطقين باللغة العربية في كلّ بقاع الأرض ستكون هي نفس الصورة، وكذلك إذا قلنا بالفرنسية table – tasse – porte، فكلّ الناطقين بالفرنسية أينما كانوا سيستحضرون نفس الصورة في أذهانهم،  ونفس الشيء بالإنجليزية table – cup – door  أو بالإسبانية mesa – taza – puerta ، 

إذن لنتّفق على مسلّمة أو بداهة مفادها أنّ اللغة مجموعة أصوات أو حروف تجتمع فتعطي معنى في ذهن المتكلّم والمتلقّي، وبالنسبة للأفكار فقد تكون واضحة المعنى، فيفهمها أطراف التواصل بنفس الكيفية، أو تكون حمّالة أوجه ولها دلالات ومعاني متعدّدة، فيضطرّ المتواصلان أو المتواصلون للاتفاق على معنى واحد، لتوحيد المفاهيم وتيسير النقاش، وهذا ما يسمّى بتقنية المكاشفة، ذلك أنّ لكلّ فرد عالمه المستقل ونواياه الشخصية وإدراكه للمحيط البيئي والاجتماعي، وبالتالي لا غضاضة إن كان هناك عدم فهم أو سوء فهم بالأحرى، أن يكون هناك نوع من الشرح والتفسير للفكرة، بتكون واضحة، فلا يفهمها كلّ طرف كما يريد، لما في ذلك من خطورة.

واللغة لها سلطة على المتكلم بها والمستمع لها،  والشاهد على ذلك ما جاء في الآية 23 من سورة “ص”، قال عزّ وجلّ: “إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أَكْفِلْنِيهَا وعزّني في الخطاب”، واتّفق المفسّرون على أنّ عزّني في الخطاب معناه قهرني، وإذن فاللغة وسيلة قهر، يفرض من خلالها الأقوى حجّة أو الأفصح لساناً أو صاحب السلطة باختصار منطقه على الطرف الآخر في الحوار والتواصل عبر اللغة.

وبتطبيق هذه الأمور النظرية على أمثلة عملية نجد أنّ عقولنا وبالتبعية لغتنا ولساننا قد تمّت برمجتها على أمور معيّنة قهراً وتسلّطاً، وسنضرب أمثلة عن ذلك:

عندما نقول الاستعمار الفرنسي أو الإسباني للمغرب، كلمة استعمار هنا التي جرت بها ألسنتنا واقتحمت عقولنا عنوة عبر الميديا والكتب والمحكي شفويا … إلى آخره، نلاحظ أنّ كلمة استعمار هنا لها مفهوم إيجابي بمعني التعمير، وعَمَار الأرض بعد أن كانت خَرِبَة، وكأنّنا نقرّ لفرنسا أو إسبانيا بأنّهما أحسنتا صنعاً، وكأنّ المغرب دولة وشعباً كانتا على هامش التاريخ، حتى جاءتا فأخرجتا البلاد والعباد من الظلمات إلى النور، وواقع الحال أنّهما دولتان غاصبتان دخلتا المغرب بقوّة السلاح والنّار، ونهبتا خيراته، وقتلتا الأهالي وزوّرتا التاريخ… إلى آخره، والأصوب في تقديري تسميتهما بالاحتلال، صحيح أنّهما بنتا بعض الطرق أو المواني أو المطارات والسكك الحديدية والمستشفيات هنا وهناك في أهمّ حواضر المغرب “النافع”، لكن ذلك وهذا ما ينبغي أن يفهمه من يدافعون عن الكولونيالية بصفة عامّة، وهو أنّ فرنسا أو إسبانيا ما بنتا حجراً واحدة إلا لييسّر لهما عمليات نهب الخيرات، ويخدم المستوطنين والجنود الفرنسيين والإسبان ومن معهم من الخونة من أبناء جلدتنا، ممّن باعوا دينهم ووطنهم.

أمثلة أخرى تحفل بها لغتنا الدارجة التي نفتخر بها، لكن ينبغي أن نكون حذرين ونحن نتعاطى معها، مثل قولنا “هذاك عنده فلان يدافع عنه والآخر عنده غير الله مسكين”، أو قولنا “فلان ما يرحم وما يخلّي رحمة الله تنزل”، أو نقول “الشكر لله ولفلان لولاهما ما استطعت النجاح”، هذه أمور ورثناها أباً عن جدّ في كلاما ومعاملاتنا اليومية الشفوية دون أن نردّ  لها البال، رغم أنها في جوهرها خطيرة جدّاً.

ففي المثال الأول الأجدر الانتباه إلى أنّ من معه الله ليس هو المسكين، بل من ليس معه الله هو المسكين جدّاً، وكلّنا فقراء إلى الله غنينا وفقيرنا، عالمنا وجاهلنا، أميرنا وصعلوكنا، وفي المثال الثاني يجب أن ننتبه إلى أنّه لا أحد يستطيع أبداً ونهائيا وبشكل مطلق أن يمنع رحمة الله من النزول كائناً من كان، لأنّ الله تعالى مالك الملك وملك الملوك وأمره بين الكاف والنون، أمّا المثال الثالث فيجب الانتباه إلى أنّ الله أغنى الشركاء عن الشرك، واستخدام واو المعية في ذلك المقام لا يستقيم والتقديس المطلق المفترض في حقّ الله عزّ وجلّ، وتنزيهه، والأجدر القول أنّ الفضل في نجاحي في تلك المسألة لله (أولا ومن باب أولى) ثمّ بمساعدة فلان (لأنّه ليس سوى سبب).

كما أنّه فيما يخصّ الأسماء والمسميات أحياناً نجد في بعض الأعمال الفنية أو البرامج التلفزية أو المقالات الصحفية أموراً تدفع في اتجاه جعل القبيح حسناً، كتسمية الكحول والخمر مشروبات روحية، وهي تسمية جميلة جدّاً تلامس شغاف القلوب، مقابل التنفير من أشياء حسنة من قبيل حجاب المرأة، بما له من معاني العفّة والحياء والوقار (لمن تعمل بهذه المبادئ لا لمن تضعه كمظهر فقط وما أكثرهنّ)، حيث نجد أنّ هناك سعياً حثيثاً لتسميته بالخيمة أو “البلاستيك الأسود”، وهي أسماء قبيحة منفّرة.

ونختم ببعض الألفاظ والممارسات في الأعراس والجنائز، وهي بكلّ أسف ليست سوى عادات وتقاليد، صارت ممارستها كأنّه دين أو تعبّد إلى الله، مثل عشاء الميت، أصلاً ما معنى عشاء الميت؟ وثلاثة أيام بعد الموت ما محلّها من الإعراب، وليلة الأربعين بعد الوفاة، والذكرى السنوية الأولى، هذه أشياء لا نعلم لها أصلاً في الدين، وفي العرس نفس الشيء، تجد خاصّة في البوادي بعد الانتهاء من العشاء والموسيقى، جوقة من العجائز تنتظرن “السروال”، ويكون العريس مجبراً على إراقة الدم في تلك الليلة، وإلا فهو عاجز جنسياً أو زوجته ليست بكراً، وكأن الزواج ليس مبنياً على التراحم والتوادّ، بل مبني على غشاء أو جلدة وبضع قطرات من الدم، بالله عليكم ما هذا؟ ما سنده؟ وما المبتدأ فيه وما المنتهى؟ أشياء بغيضة، يضطر الكلّ رغماً عن أنفه على الخضوع لها، بما فيهم غالبية المثقفين، لأنّنا نعلم جيداً في علم النفس الاجتماعي أنّ السلوك الفردي مرتبط أشدّ الارتباط بالبيئة الاجتماعية أو بما يسمى التوافقات الاجتماعية، وقد درسنا في كليات الحقوق أنّ من يتحدّى سلوكات المجتمع وأعرافه يعامل معاملة المنبوذ، وهو ما يسمّى بالوصم الاجتماعي، وكما نعلم في القانون فالعرف الاجتماعي هو أحد مصادر التشريع، وقد يرقى ليصبح قاعدة قانونية.

باحث في علم الاجتماع الديني والسياسي*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى