
السفير 24
لم تعد جريمة العثور على أشلاء بشرية داخل أكياس بلاستيكية بغابة 33 بضواحي إقليم بنسليمان مجرد واقعة جنائية هزت الرأي العام المحلي، بعدما أعادت إلى الواجهة جملة من الأسئلة المرتبطة بالوضع الأمني بالمنطقة، وبمدى نجاعة التدخلات الميدانية في مواجهة الأنشطة الإجرامية التي يتحدث سكان المنطقة ومستعملو الطريق عن استمرارها بمحيط الغابة. فحين تقترن جريمة بهذه الخطورة بمعطيات متداولة حول انتشار ترويج المخدرات، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة التدابير المتخذة، وعن مدى إحاطة الجهات المختصة بالتطورات التي يعرفها هذا المجال.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توضيح طبيعة التقارير والإشعارات التي يفترض أن تكون المراكز الترابية للدرك الملكي بكل من الفضالات والمنصورية وبني يخلف قد رفعتها إلى القيادات المختصة بشأن الوضع الأمني بغابة 33 ومحيطها، وما إذا كانت هذه التقارير قد تضمنت تنبيهات واضحة بشأن الأنشطة الإجرامية المشتبه في ممارستها بالمنطقة، أو طلبات لتعزيز الموارد البشرية والوسائل اللوجيستيكية من أجل تنفيذ عمليات تمشيط ومراقبة أكثر اتساعا وفعالية.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات بالنظر إلى ما يروج بشأن عدم اقتصار أنشطة ترويج المخدرات على المناطق المعزولة داخل الغابة، بل امتدادها، وفق إفادات متداولة، إلى محيط الطريق وبعض النقاط التي يرتادها المواطنون ومستعملو المحاور الطرقية. وهو ما يطرح مفارقة تستوجب التوضيح: كيف يمكن أن يتحدث مواطنون عن نشاط إجرامي متكرر في مجال ترابي محدد، بينما تظل طبيعة المعطيات المتوفرة لدى المصالح الأمنية المختصة ومستوى التعامل معها غير واضحة للرأي العام؟
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات إلى جهة بعينها، بقدر ما يتعلق بالمطالبة بتوضيح الصورة كاملة، من خلال إخضاع التقارير والمحاضر والإشعارات السابقة للفحص والتدقيق، للتأكد مما إذا كانت غابة 33 قد وردت ضمن النقاط التي سبق التنبيه إلى خطورتها، وما إذا كانت المعطيات الميدانية قد نقلت إلى مستويات القيادة وفق المساطر المعمول بها، أم أن هناك فجوة محتملة بين ما يتداوله المواطنون وما يصل إلى الجهات المكلفة بتقييم الوضع الأمني.
كما أن المسؤولية المؤسساتية تقتضي عدم حصر النقاش في أداء المراكز الترابية وحدها، بل توسيعه ليشمل كيفية تدبير الملف على مستوى القيادة الجهوية للدرك الملكي بسطات، ومدى إدراج الوضع الأمني بغابة 33 ومحيطها ضمن الاجتماعات الدورية المخصصة لتقييم مؤشرات الجريمة ورصد البؤر التي تستدعي تدخلا خاصا. فهذه الاجتماعات لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطات إدارية لتبادل التقارير واستعراض المعطيات، وإنما يفترض أن تفضي إلى قرارات عملية، وبرامج تدخل محددة، وآليات لتتبع التنفيذ وقياس النتائج.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت خطورة الوضع قد عرضت فعلا على المسؤولين الجهويين، وما إذا كانت المراكز المعنية قد قدمت صورة دقيقة عن طبيعة الأنشطة المشبوهة بمحيط الغابة، فضلا عن معرفة التدابير التي تقررت لمواجهتها. ذلك أن التقييم الأمني لا تكتمل قيمته بمجرد تشخيص الاختلالات، بل بمدى القدرة على تحويل التشخيص إلى تدخلات ملموسة، مع تحديد المسؤوليات الإدارية والمهنية كلما ثبت وجود تقصير أو إخلال بالواجبات.
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين فرضيتين لا يمكن الحسم في أي منهما دون معطيات موثوقة وتحقيق موضوعي؛ الأولى أن تكون المصالح الترابية قد رصدت الوضع وأشعرت رؤساءها بخطورته، بما يستدعي التحقق من طبيعة التفاعل مع تلك الإشعارات ومدى تنفيذ التدخلات المطلوبة. والثانية أن تكشف المراجعة عن قصور في الرصد أو الإخبار أو التقدير الميداني، وهي فرضية تستوجب بدورها ترتيب الآثار الإدارية والقانونية وفق ما تثبته الأبحاث، دون القفز إلى استنتاجات بشأن وجود تواطؤ أو مسؤولية جنائية قبل قيام الدليل.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، أيضا إلى المركز الترابي للدرك الملكي بالفضالات، بالنظر إلى المعطيات المتداولة بشأن مدة تولي قائده المسؤولية، والتي يقال إنها قاربت ست سنوات، مع الحديث عن استفادته من تمديد استثنائي. وهي معطيات، إن تأكدت، تفتح الباب أمام أسئلة مهنية مشروعة حول حصيلة التدبير الأمني خلال هذه الفترة، ومدى مواكبة التحولات التي عرفها المجال الترابي الخاضع لنفوذ المركز، ولا سيما ما يتعلق بغابة 33.
فطول مدة تولي المسؤولية لا يشكل في حد ذاته قرينة على التقصير، كما لا يجوز اتخاذه أساسا لأي اتهام، لكنه يفرض، من زاوية التقييم المؤسساتي، مساءلة موضوعية حول النتائج المحققة، وطبيعة التدخلات المنجزة، ومدى معالجة النقاط التي يثار بشأنها القلق الأمني. فالمسؤولية الأمنية ليست امتيازا مرتبطا بالمنصب أو مدة البقاء فيه، وإنما تكليف يقتضي اليقظة والاستباق والرفع الدقيق للمعلومات إلى مستويات القرار.
إن خطورة ما شهدته غابة 33 تفرض التعامل مع الملف بما يتجاوز حدود البحث في الجريمة الأخيرة، لأن تحديد مرتكبيها وظروف وقوعها يظل مسارا قضائيا أساسيا، لكنه لا يغني عن تقييم الوضع الأمني العام بالمنطقة، والتحقق من المعطيات المتداولة بشأن نشاط شبكات ترويج المخدرات، وتحديد ما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة كان من الممكن أن تتيح تدخلا استباقيا.
والرأي العام المحلي لا ينتظر تبادل الاتهامات ولا إطلاق أحكام غير مؤسسة، بل ينتظر أجوبة واضحة: هل كانت غابة 33 مصنفة ضمن النقاط التي تستدعي مراقبة أمنية خاصة؟ هل سبق تسجيل تدخلات أو عمليات تمشيط بها؟ ما طبيعة التقارير التي رفعت بشأنها؟ وهل جرى تقييم مدى كفاية الموارد والإمكانيات الموضوعة رهن إشارة المراكز الترابية المعنية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تنقل النقاش من دائرة الانطباعات والتداولات إلى مستوى التقييم المؤسساتي القائم على الوقائع والوثائق. كما أن فتح مراجعة إدارية وأمنية للمعطيات المتوفرة، بالتوازي مع البحث القضائي الجاري بشأن الجرائم المرتكبة، قد يشكل مدخلا ضروريا لتحديد مكامن الخلل، إن وجدت، وتعزيز الحضور الأمني بالمنطقة.
فالأمن لا يقاس فقط بسرعة التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما كذلك بقدرة الأجهزة المختصة على رصد المخاطر قبل تحولها إلى وقائع دامية. وغابة 33، بما أثير حولها عقب هذه الأحداث، لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتوضيحات العامة؛ إنها تحتاج إلى كشف دقيق لحقيقة الوضع، وتقييم صريح للمسؤوليات، وإجراءات ميدانية تعيد الطمأنينة إلى الساكنة ومستعملي الطريق.



