
السفير 24
في لحظات التحول السياسي والمؤسساتي، تبرز أهمية الكفاءات القادرة على الجمع بين التراكم المهني وروح المبادرة واستيعاب انتظارات المجتمع. وفي هذا السياق، تتقدم تجربة نجوى كوكوس، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، باعتبارها محطة جديدة في مسارها السياسي، وفرصة لتوظيف ما راكمته من خبرة قانونية وبرلمانية في خدمة قضايا اجتماعية تظل في صلب انشغالات المغاربة.
وتستمد هذه التجربة جانبا من أهميتها من طبيعة الملفات التي أصبحت تحت مسؤوليتها، وهي ملفات تتصل مباشرة بحياة الأسر، وبأوضاع النساء والأطفال، وبحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وبحاجيات الفئات التي تواجه الهشاشة الاجتماعية. لذلك، فإن المرحلة الراهنة تتيح للوزيرة مجالا واسعا للعمل والمبادرة، كما تضع أمامها مسؤولية تطوير مقاربات أكثر استجابة للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
ومن الإنصاف، عند قراءة مسار نجوى كوكوس، استحضار تجربتها السابقة في الترافع عن قضايا المساواة والمناصفة. فقد راكمت، خلال ولايتها البرلمانية، تجربة في الاشتغال على هذه الملفات من خلال رئاستها مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمساواة والمناصفة بمجلس النواب، إلى جانب مشاركتها في النقاشات المتعلقة بحقوق النساء والتمكين الاقتصادي. وهي محطات تمنح تجربتها الحالية امتدادا مؤسساتيا، وتتيح لها الاستفادة من معرفة سابقة بالإشكالات التي يتعين التعامل معها من موقع المسؤولية التنفيذية.
وعلاوة على ذلك، فإن خلفيتها القانونية وتجربتها في العمل البرلماني يمكن أن تشكلا رصيدا مهما في مقاربة القضايا التي تتطلب الجمع بين الحماية القانونية والبرامج الاجتماعية والتنسيق المؤسساتي. فالتحدي لا يقتصر على تشخيص الاختلالات، وإنما يتمثل أساسا في تحويل هذا التشخيص إلى إجراءات عملية، قادرة على تحسين الولوج إلى الخدمات وتعزيز الإنصاف وتوسيع دائرة المستفيدين من برامج الدعم والمواكبة.
وفي هذا الإطار، تكتسب الخطوات التي أعلنتها الوزيرة خلال الأيام الأولى من توليها مهامها أهمية خاصة. فقد كشفت، في حديثها عن الملفات الاجتماعية المطروحة، عن الشروع في معالجة إشكالات مرتبطة بتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، من خلال التنسيق بين التعاون الوطني ووزارة المالية بشأن الاعتمادات المخصصة، وتوقيع الاتفاقية ذات الصلة والشروع في تنفيذها، إلى جانب التواصل مع الجمعيات المعنية لتيسير عودة الأطفال إلى فصولهم الدراسية.
وتعكس هذه الخطوة أهمية الانتقال من النقاش العام حول الحقوق الاجتماعية إلى معالجة الإكراهات التي تحول دون الاستفادة الفعلية منها. فتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة ليس مجرد ملف قطاعي، بل قضية ترتبط بتكافؤ الفرص والإنصاف الاجتماعي، وتستدعي تعاونا مستمرا بين المؤسسات الحكومية والفاعلين المدنيين. ومن هنا، فإن مواصلة تتبع هذا الورش وتقييم نتائجه يمكن أن تشكل مدخلا مهما لتعزيز الثقة في قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لحاجيات الأسر المعنية.
وإلى جانب هذا الملف، يبرز توجه الوزيرة نحو تطوير خدمات المواكبة الأسرية وتعزيز حضور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية للفئات الهشة. فقد تحدثت عن أهمية إعادة تنظيم العلاقة مع الجمعيات، مع الحفاظ على دورها الميداني، والعمل على تثمين دور المساعدين الأسريين لتقريب خدمات الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني من الأسر. وهو توجه يستحق المتابعة، بالنظر إلى ما يمكن أن يتيحه من فرص لتحسين جودة الخدمات وتوسيع نطاق الوصول إليها، متى اقترن بتوفير الموارد اللازمة وتحديد المسؤوليات وآليات التقييم.
ومن جهة أخرى، يشكل إعلان التوجه نحو إعداد استراتيجية وطنية للمساواة أحد الملفات التي ستحدد ملامح العمل المقبل للوزارة. فترسيخ المساواة لا يتحقق بمجرد إعلان المبادئ، وإنما يحتاج إلى سياسات متكاملة تشمل التعليم والتكوين والتشغيل والحماية الاجتماعية، وتستحضر الصعوبات التي تواجه النساء في الولوج إلى الفرص الاقتصادية والمشاركة في الحياة العامة. وهنا، يمكن للخبرة التي راكمتها ككوس في هذا المجال أن تسهم في بناء مقاربة أكثر ارتباطا بالحاجيات الواقعية، قائمة على الحوار والتنسيق وتحديد أهداف قابلة للتتبع.
وبالموازاة مع ذلك، فإن نجاح أي تجربة حكومية في المجال الاجتماعي يظل رهينا بقدرتها على الإنصات إلى مختلف المتدخلين، والانفتاح على الخبرات الميدانية، والاستفادة من المقترحات التي تقدمها الجمعيات والهيئات المتخصصة. فتعقيد القضايا المرتبطة بالأسرة والطفولة والإعاقة والمساواة يفرض عملا جماعيا يتجاوز حدود التدبير الإداري التقليدي، ويستند إلى رؤية واضحة لأولويات المرحلة وإلى آليات فعالة لتنفيذ البرامج.
وفي هذا السياق، تبدو أمام نجوى كوكوس فرصة لبناء تجربة وزارية تستثمر التراكمات السابقة، وتفتح في الوقت نفسه المجال أمام تطوير أساليب العمل وتعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية. كما أن الاستمرارية في الإصلاح، مقرونة بالاستعداد لتصحيح الاختلالات، يمكن أن تمنح المبادرات المعلنة فرصا أكبر للتحول إلى نتائج ملموسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفئات تحتاج إلى خدمات منتظمة ومستدامة.
إن تشجيع الكفاءات التي تتحمل مسؤوليات عمومية جديدة لا يعني إعفاءها من المساءلة أو استباق الحكم على حصيلتها، بل يقتضي توفير شروط العمل، ومواكبة المبادرات الجادة، وتقييم النتائج على أساس معايير واضحة. ومن هذا المنطلق، فإن دعم تجربة الوزيرة ينبغي أن يتجسد في إتاحة المجال أمامها لتنزيل برامجها، وفي متابعة ما تحققه من تقدم، وفي تعزيز ثقافة التعاون المؤسساتي التي تجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة.
كما أن حضور الكفاءات الشابة في مواقع القرار يحمل دلالة تتجاوز الأفراد، لأنه يتيح تجديد الخبرات وأساليب التدبير، ويؤكد أن المسؤولية العمومية مجال للمبادرة والتعلم والتراكم. وتملك نجوى كوكوس، بالنظر إلى تجربتها السابقة والملفات التي اشتغلت عليها، فرصة للاستفادة من هذا المعطى، وتحويله إلى إضافة عملية في تدبير قضايا الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة تضع الوزيرة أمام ورش اجتماعي واسع، لكنها تتيح لها أيضا إمكانات حقيقية لإبراز قيمة العمل المؤسساتي القائم على المبادرة والإنصات والنتائج. وستظل معالجة الملفات العالقة، وتطوير خدمات المواكبة الأسرية، والنهوض بالمساواة، وتوسيع استفادة الفئات الهشة من الخدمات الأساسية، من أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها تقييم مسارها الحكومي.
إن نجوى كوكوس أمام فرصة تستحق التشجيع والمواكبة، وفرصة لتترجم تجربتها القانونية والبرلمانية إلى مبادرات تعزز الإنصاف الاجتماعي وتستجيب لانتظارات الأسر المغربية. فالمسؤولية، في جوهرها، ليست مجرد موقع داخل المؤسسات، بل التزام يومي بالعمل والإنجاز؛ والرهان الحقيقي هو أن تترك هذه التجربة أثرا إيجابيا قابلا للقياس في حياة المواطنين، وأن تسهم في جعل السياسات الاجتماعية أكثر قربا من الناس وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجياتهم.



