
السفير 24
أبرز التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2025 استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بالمغرب، بالتزامن مع اقتراب انتهاء المخطط الاستراتيجي للفترة 2021-2026، وبدء التحضيرات لإعداد مخطط جديد يغطي السنوات الممتدة من 2027 إلى 2031، في إطار مواصلة تحديث منظومة العدالة والرفع من فعالية أدائها.
وأوضح التقرير أن المجلس واصل خلال السنة الماضية الاضطلاع بمهامه الدستورية، خصوصا في ما يتعلق بإبداء الرأي بشأن مشاريع القوانين المرتبطة بقطاع العدالة، بما يساهم في تحسين جودة النصوص التشريعية وتعزيز استقلال القضاء. وتزامنت هذه الجهود مع توطيد التنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في المجالات التشريعية والإدارية والمالية، وفق مقاربة تستند إلى التعاون والتوازن بين المؤسسات، مع احترام استقلال السلطة القضائية.
وأشار التقرير إلى أن هذه الدينامية تندرج ضمن مسار استكمال الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية، باعتباره اختيارا دستوريا ثابتا، من خلال معالجة الفراغات القانونية ومواكبة التحولات التي تعرفها المؤسسات الوطنية، فضلا عن تطوير أساليب العمل بما يضمن تحسين النجاعة القضائية. واعتبر أن حصيلة سنة 2025 تعكس انتقالا تدريجيا من مرحلة إرساء المؤسسات إلى مرحلة ضمان استمرارية الإصلاح والارتقاء بجودته.
وعلى المستوى التشريعي، سجل التقرير إدخال تعديلات مهمة على النظام الأساسي للقضاة بموجب القانون التنظيمي رقم 09.25، الذي أعاد تنظيم نظام الرخص بما يتلاءم مع المستجدات التي عرفها النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. ويهدف هذا الإصلاح إلى تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للقضاة، عبر توسيع الضمانات المتعلقة بالرخص الطبية والعائلية، وإقرار امتيازات جديدة تشمل رخص الولادة والأبوة والكفالة والرضاعة.
كما أصبح بإمكان القضاة الاستفادة من رخص المرض متوسطة وطويلة الأمد مع الاحتفاظ بكامل أجورهم في حالات محددة، بما يعزز الاستقرار الوظيفي داخل أسرة القضاء. وتكتمل هذه المستجدات، وفق التقرير، بقرار الرئيس المنتدب رقم 2482.25، الذي وضع إطارا تنظيميا موحدا ودقيقا لتدبير مختلف أنواع الرخص الخاصة بالقضاة.
وفي الشق الاجتماعي، شهدت سنة 2025 إحداث مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية، باعتبارها إطارا مؤسساتيا جديدا يستهدف تحسين الظروف الاجتماعية لهذه الفئة وتعزيز الخدمات الموجهة إليها.
وبالتوازي مع ذلك، استمر المجلس في تنفيذ برنامج السكن الوظيفي المخصص للمسؤولين القضائيين، حيث بلغ عدد المساكن التي جرى توفيرها 82 سكنا إلى غاية نهاية السنة، مع العمل على توسيع العرض ليشمل 173 مسؤولا قضائيا بمختلف محاكم المملكة. وتم إنجاز هذا الورش بتنسيق مع وزارة العدل ومديرية أملاك الدولة، من خلال إعادة توظيف العقارات العمومية وتأهيلها، بما يساهم في ترشيد النفقات والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.
وفي مجال التكوين وتطوير الحكامة الداخلية، عرف المعهد العالي للقضاء مجموعة من الإصلاحات، من أبرزها اعتماد نظام جديد للتكوين الأساسي للملحقين القضائيين، يجمع بين التحصيل النظري والتدريب الميداني داخل المحاكم والإدارات. كما جرى تعزيز البرامج التكوينية بمواد حديثة تهم أخلاقيات المهنة القضائية والتطبيقات العملية والتقييم المستمر، إلى جانب إنجاز بحوث نهاية التكوين.
وفي السياق ذاته، اعتمد المعهد مخططا استراتيجيا للفترة 2026-2030، يرمي إلى تحسين جودة التكوين القضائي، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع استخدام الرقمنة، وتعزيز التعاون، بما يسمح بإعداد قضاة مؤهلين لمواكبة التحولات العميقة التي تعرفها منظومة العدالة.
وعلى مستوى التنظيم الإداري، واصل المجلس تنفيذ مشروع إعادة الهيكلة، من خلال تحديد المناصب الشاغرة وإطلاق إجراءات التعيين في مناصب المسؤولية، وهو ما أسفر عن شغل 42 منصبا إداريا. ويهدف هذا الورش إلى رفع مستوى النجاعة الإدارية، وتحسين الأداء الداخلي، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، بما ينعكس إيجابا على تدبير المرفق القضائي.
أما بخصوص تقييم المخطط الاستراتيجي الحالي، فقد أظهرت الحصيلة المسجلة تقدما في تنفيذ الإجراءات الـ163 الموزعة على سبعة توجهات رئيسية، تشمل تأهيل القدرات المؤسساتية، وتعزيز استقلال القضاء، وتحسين فعالية العدالة، وتخليق المرفق القضائي، وتقوية التواصل وترسيخ الثقة، فضلا عن تطوير الشراكات.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، فقد بلغ عدد الإجراءات المنجزة بالكامل إلى نهاية سنة 2025 ما مجموعه 41 إجراء، أي ما يعادل 25 في المائة، مقابل إنجاز تسعة إجراءات بشكل جزئي، بنسبة 5 في المائة. كما جرى تفعيل 85 إجراء بصورة مستدامة، وهو ما يمثل 52 في المائة، بينما ظل 28 إجراء قيد الإنجاز، بنسبة 18 في المائة.
وسجل التقرير عدم وجود أي إجراء ضمن خانة الإجراءات غير المنجزة، بعدما كانت هذه الخانة تضم ستة إجراءات في مراحل سابقة، معتبرا أن هذا التطور يعكس تحسنا في وتيرة التنفيذ واستقرارا في دينامية التفعيل، بفضل اعتماد آليات المتابعة المستمرة والتقييم الدوري.
واستعدادا للمرحلة المقبلة، أطلق المجلس مشاورات واسعة انتهت إلى تشكيل لجنة متعددة الاختصاصات تتولى إعداد التصورات الأولية للمخطط الاستراتيجي الثاني للفترة 2027-2031. ويرتكز هذا المشروع على تسريع الانتقال نحو المحكمة الرقمية، وتطوير التكوين القضائي، وتعزيز منظومة التخليق، ودعم المحاكم من أجل تحسين أدائها والرفع من مردوديتها كما وكيفا.
وفي ما يتعلق بالتعاون مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أكد التقرير أن التنسيق المؤسساتي يشكل ركيزة أساسية لتحديث الإدارة القضائية، في إطار احترام استقلال السلطة القضائية ومبدأ التعاون بين السلط المنصوص عليه دستوريا. ويجري تنظيم هذا التعاون من خلال الهيئة المشتركة التي تضم المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل ورئاسة النيابة العامة، عبر لجنة للتوجيه تتولى تحديد الاختيارات الكبرى، ولجنة للتتبع تراقب تنفيذ القرارات، فضلا عن لجان موضوعاتية متخصصة في النجاعة القضائية والرقمنة والدراسات القانونية والتكوين.
وواصلت لجنة التتبع عقد اجتماعاتها الدورية من أجل الوقوف على مستوى تنفيذ القرارات، وتقييم الصعوبات والإكراهات المطروحة، واقتراح الحلول العملية المناسبة، فيما انكبت اللجان الموضوعاتية على دراسة ملفات مرتبطة بتحديث الإدارة القضائية وتحسين أساليب اشتغالها.
وشملت هذه الجهود مواكبة عدد من المشاريع المهيكلة، من بينها تتبع أشغال محكمة النقض، وتقييم مدى جاهزية محاكم ومراكز قضائية في إطار الخريطة القضائية، بما في ذلك المحكمة الابتدائية بآسا الزاك والمراكز القضائية بجرف الملحة وتالمست وتافراوت وتندرارة وبني تدجيت، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في تشغيل المراكز التي استكملت استعداداتها.
وامتدت التدخلات كذلك إلى تحسين ظروف العمل داخل المؤسسات القضائية، من خلال تنميط المعاقل، وتوسيع نطاق التحول الرقمي، وتطوير أنظمة تدبير المعطيات، وتحسين آليات تتبع الاعتقال الاحتياطي. كما شملت دعم النيابات العامة وقضاء الأسرة، والعمل على اعتماد هوية بصرية موحدة للمقررات القضائية.
وفي الجانب الاستشاري، ذكّر التقرير بأن إبداء الرأي بشأن مشاريع ومقترحات القوانين المرتبطة بالعدالة يمثل أحد الاختصاصات الدستورية الأساسية للمجلس، لما له من دور في ترسيخ مبدأ فصل السلط وتعزيز التعاون المؤسساتي مع مختلف الجهات المشاركة في إعداد التشريعات.
وأوضح أن الفترة الممتدة بين 2022 و2025 شهدت تزايدا في تفاعل المجلس مع الجهات الحكومية، وهو ما عزز مكانته باعتباره شريكا مرجعيا قادرا على استشراف الصعوبات العملية التي يمكن أن تطرحها النصوص القانونية عند تطبيقها على أرض الواقع.
وشملت المشاريع المحالة من وزارة العدل مشروع تعديل القانون رقم 39.09 المتعلق بالمؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية، قبل اعتماد خيار إحداث مؤسسة خاصة بالقضاة، إلى جانب مشروع مرسوم تطبيق القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة. كما تناولت الملفات مشاريع مرتبطة بالبنك الوطني للبصمات الجينية، حيث شدد المجلس على ضرورة حماية المعطيات الشخصية، فضلا عن مشروع تعديل القانون رقم 13.83 المتعلق بزجر الغش في البضائع، بعد مرور أكثر من أربعين سنة على صدوره.
وتضمنت الملفات التي جرى بحثها أيضا مشروع إحداث محكمة الاستئناف بتارودانت، ومشروع تنظيم التبادل الإلكتروني لطلبات التعاون القضائي، إلى جانب تفاعل المجلس مع مقترح إلحاق المركز القضائي بأفورار بمحكمة بني ملال، بهدف تقريب الخدمات القضائية من المواطنين وتحسين الولوج إلى العدالة.
أما بشأن النصوص المحالة من الأمانة العامة للحكومة، فقد اتخذ المجلس مواقف داعمة لها من حيث المبدأ، مع تقديم ملاحظات واقتراحات ترمي إلى تجويد مضامينها، انطلاقا من رؤية إصلاحية تسعى إلى التوفيق بين تحديث المنظومة القانونية، وصون حقوق المتقاضين، وضمان وضوح القواعد القانونية واستقرارها.



