
السفير 24
في عالم السياسة والإعلام، كلما تعزز استقرار دولة وتوطدت مؤسساتها، اتسعت في المقابل دائرة من يسعون إلى التشكيك في قدرتها ومصداقيتها. والمغرب، بما راكمه خلال السنوات الماضية من حضور أمني ومؤسساتي، لم يكن بعيدا عن هذا النوع من الاستهداف، خصوصًا في ظل محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
غير أن اللافت في السنوات الأخيرة هو انتقال هذا الاستهداف، لدى بعض الأصوات والمنصات، من انتقاد السياسات والمؤسسات إلى التركيز شبه الدائم على شخص عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، وتحويل اسمه إلى عنصر ثابت في روايات متباينة، حتى عندما يتعلق الأمر بوقائع لا ترتبط بشكل مباشر بالمهام التي يشرف عليها.
ولعل أحدث تجليات هذا الخطاب ما جرى تداوله بشأن واقعة تخص موظف شرطة بمدينة مراكش، حيث جرى تقديم قضية ذات طابع مهني وصحي في صورة توحي بوجود تدخل مباشر من أعلى هرم المؤسسة الأمنية، دون تقديم معطيات موثوقة تثبت تلك الادعاءات.
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن الواقعة، فإن الأمر يتعلق بحالة فردية لموظف شرطة احتاج إلى مواكبة طبية ونفسية، وهو أمر يدخل ضمن مسؤولية المصالح المختصة تجاه موظفيها، قبل أن تتحول الواقعة، في بعض المحتويات المنشورة، إلى رواية تتحدث عن مؤامرة أمنية يقودها المسؤول الأول عن الجهاز.
وهنا تحديدا يبرز السؤال: لماذا يتم استدعاء اسم حموشي بهذه السرعة، ولماذا يتحول كل خلاف أو واقعة فردية تخص موظفا أو عنصرا أمنيا إلى مناسبة لإقحام المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني؟
المتابع لبعض المحتويات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي يلاحظ نمطا يكاد يكون ثابتا: جرائم فردية، نزاعات شخصية، قضايا اجتماعية أو حتى وقائع لا تمت بصلة مباشرة إلى الاختصاص الأمني، سرعان ما يجري ربطها بالمؤسسة الأمنية وباسم المسؤول الذي يوجد على رأسها.
إن تكرار هذا الأسلوب لا يمكن فصله عن محاولة بناء صورة ذهنية تجعل المؤسسة الأمنية مسؤولة عن كل شيء، وتحول المسؤول الأمني إلى شماعة جاهزة لكل إخفاق أو واقعة أو ادعاء. وهي طريقة في صناعة الخطاب تقوم على تكرار الاتهام أكثر مما تقوم على تقديم الأدلة، وعلى الإثارة أكثر مما تقوم على التحقق.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن المؤسسة الأمنية أو مسؤوليها فوق النقد أو المساءلة. على العكس، فإن المؤسسات العمومية مطالبة دائما بالشفافية واحترام القانون، ومن حق الصحافة والرأي العام مساءلتها وانتقاد أدائها. لكن النقد الجاد يختلف جذريا عن إطلاق اتهامات خطيرة دون وثائق، أو تحويل واقعة محدودة إلى قضية مؤسساتية شاملة.
فالفرق كبير بين أن تطرح أسئلة مشروعة حول أداء مؤسسة، وبين أن تبني رواية كاملة على أساس ادعاء غير موثق، ثم تقدمها للرأي العام باعتبارها حقيقة محسومة.
والأكثر إثارة للانتباه أن هذا النمط من الخطاب لا يكتفي باستهداف المؤسسة، بل يذهب أبعد من ذلك عبر اختزال منظومة أمنية كاملة في شخص واحد، وكأن الأمن الوطني المغربي مرتبط بشخص المسؤول الأول عنه، وليس بمؤسسات وأطر وقوانين وآليات عمل متكاملة.
والحال أن تقييم المنظومة الأمنية لا يمكن أن يتم من خلال مقاطع قصيرة أو تدوينات مجهولة المصدر، وإنما من خلال نتائجها الميدانية، وقدرتها على مواجهة الجريمة والإرهاب والتهديدات العابرة للحدود، فضلا عن مستوى التعاون الذي طوره المغرب مع عدد كبير من الأجهزة الأمنية الدولية.
لقد أصبح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، شريكا أمنيا مهما على المستوى الإقليمي والدولي، وراكمت أجهزته المختصة تجربة معتبرة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين التظاهرات الكبرى والتعامل مع المخاطر الأمنية المستجدة.
وهذه المعطيات لا تعني أن المنظومة الأمنية معصومة من الخطأ، ولا أن كل الانتقادات الموجهة إليها باطلة، لكنها تعني أن تقييمها ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأرقام والملفات الموثقة، لا إلى حملات تقوم على التعميم والانتقائية.
أما تحويل اسم عبد اللطيف حموشي إلى لازمة تتكرر في كل واقعة، وإقحامه في ملفات لا تثبت المعطيات المتاحة أي علاقة مباشرة له بها، فإنه لا يخدم النقاش العام بقدر ما يكشف عن رغبة في اختزال مؤسسة كاملة في شخص واحد، ثم استهداف ذلك الشخص باعتباره بوابة لاستهداف المؤسسة برمتها.
وفي النهاية، فإن قوة المؤسسات لا تقاس بغياب الانتقادات الموجهة إليها، بل بقدرتها على الاستمرار في أداء مهامها، وبقدرة المجتمع على التمييز بين النقد المسؤول وبين التضليل، وبين المساءلة القائمة على الأدلة ومحاولات صناعة رأي عام قائم على الإيحاء والاتهام.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع اسم عبد اللطيف حموشي، وإنما مع خطاب يجعل من استهداف هذا الاسم هدفا قائما بذاته، ويعتقد أن تكرار الاتهامات قادر على تغيير الحقائق. فالوقائع، في نهاية المطاف، أقوى من الضجيج، والمؤسسات تقاس بما تنجزه على أرض الواقع، لا بما يقال عنها في مقاطع عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.



