في الواجهةكتاب السفير

تمثيلية المرأة بعد اقتراع 23 شتنبر 2026 وحدود المكسب العددي

تمثيلية المرأة بعد اقتراع 23 شتنبر 2026 وحدود المكسب العددي

السفير 24 – زينب أبو الزهور، باحثة في القانون العام والعلوم السياسية

في أقل من أسبوع، عاش المشهد السياسي المغربي حدثين يغريان بالاحتفاء. فقد أفرز اقتراع 23 شتنبر 2026 مجلسا للنواب يضم 107 نائبات من أصل 395 عضوا، أي ما يعادل 27 في المائة تقريبا، مقابل 96 نائبة في الولاية المنتهية. ثم جاء بلاغ الديوان الملكي يوم 29 شتنبر ليعلن، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للنتائج بـ97 مقعدا، رئيسة للحكومة، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.

لا أحد يمكنه التقليل من الحمولة الرمزية لهذه اللحظة. غير أن قراءة هادئة في تفاصيل الأرقام تفرض، في تقديري، قدرا من التحفظ. فالمكسب الذي تحقق حقيقي، لكنه لا يعني أن التمييز ضد المرأة في المسار الانتخابي قد انتهى، بل يعني أنه انتقل إلى حيث يصعب رؤيته: إلى لحظة التزكية داخل الأحزاب، وإلى الدوائر المحلية، وإلى الفضاء الرقمي.

رقم 107 يخفي رقمين

حين نفكك الرقم الإجمالي، نجد أن 90 مقعدا من أصل 107 مضمونة سلفا بقوة القانون عبر اللوائح الجهوية المخصصة حصريا للنساء، وهي الآلية التي أقرها القانون التنظيمي رقم 04.21 سنة 2021، وحافظ عليها القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب. أما المقاعد التي انتزعتها النساء في منافسة مفتوحة داخل الدوائر المحلية، فلم تتجاوز 17 مقعدا من أصل 305، أي حوالي 5,6 في المائة فقط.

صحيح أن الانتقال من 6 نائبات محليات سنة 2021 إلى 17 نائبة اليوم يمثل تحسنا يستحق التسجيل، وصحيح أن بعض الفائزات حققن نتائج لافتة في دوائر لم تعرف من قبل تمثيلا نسائيا. لكن النسبة الإجمالية تكشف أن نحو تسعة مقاعد من كل عشرة مقاعد نسائية ما تزال مرهونة بالآلية التعويضية، وأن الدائرة المحلية، وهي فضاء التنافس الحقيقي، ما تزال بنسبة تفوق 94 في المائة حكرا على الرجال.

ويتضح مصدر الخلل حين ننتقل من النتائج إلى الترشيحات. فوفق المعطيات المتداولة بعد إغلاق باب الترشيح، بلغ عدد المترشحات 2658 مترشحة، أي ما يزيد على 36 في المائة من مجموع المترشحين، وهي نسبة تبدو مشجعة في ظاهرها. غير أن 1783 منهن ترشحن في اللوائح الجهوية، مقابل 875 فقط في الدوائر المحلية. والأهم أن النساء لم يترأسن سوى 121 لائحة محلية من أصل 1615، أي أقل من 7,5 في المائة. فالحزب الذي لا يضع المرأة على رأس اللائحة المحلية لا ينتظر فوزها، بل يكتفي بحضورها في المراتب الخلفية.

في المقابل، تشكل النساء نحو 46 في المائة من الهيئة الناخبة المسجلة. هذه الفجوة بين وزن المرأة ناخبة وحضورها مترشحة قادرة على الفوز هي، في رأيي، المؤشر الأدق على التمييز البنيوي، أكثر من أي نسبة إجمالية داخل المجلس.

من تدبير مؤقت إلى سقف دائم

حين اعتمد المغرب الكوطا لأول مرة سنة 2002 عبر لائحة وطنية من 30 مقعدا، ثم رفعها إلى 60 مقعدا بموجب القانون التنظيمي رقم 27.11 سنة 2011، قبل التحول إلى 90 مقعدا في اللوائح الجهوية سنة 2021، كان المنطق المعلن هو منطق التدابير الخاصة المؤقتة التي تجيزها المادة الرابعة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والتي يفترض أن تنتهي بمجرد تحقيق هدف تكافؤ الفرص. غير أن احتفاظ القانون التنظيمي رقم 53.25 بالآلية ذاتها دون أي تطوير يدفع إلى الاعتقاد بأن الكوطا تحولت من جسر نحو المناصفة إلى سقف مريح للأحزاب.

فالدستور لم يكتف في فصله التاسع عشر بإعلان سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، بل ألزم المشرع في فصله الثلاثين بأن ينص على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص في ولوج الوظائف الانتخابية. وتكافؤ الفرص لا يتحقق بتخصيص مسار مواز للنساء، بقدر ما يتحقق بفتح المسار الرئيسي أمامهن. وما دامت اللائحة الجهوية تعفي الأحزاب من عناء ترشيح النساء في الدوائر المحلية، فإن الكوطا تنتج مفعولا عكسيا، إذ تمنح الأحزاب مخرجا قانونيا للإبقاء على الترشيحات المحلية ذكورية.

التزكية هي موطن التمييز الحقيقي

لا يبدأ التمييز يوم الاقتراع، بل قبله بأشهر، داخل الهيئات الحزبية التي تمنح التزكيات. وقد أثار التحضير لاستحقاقات 2026 مرة أخرى موجة استياء داخل قواعد عدد من الأحزاب، بسبب منح تزكيات لقيادة اللوائح الجهوية النسائية لمرشحات من خارج الأقاليم المعنية أو بمنطق القرابة والولاء، على حساب مناضلات راكمن تجربة ميدانية طويلة. وحين تتحول اللائحة الجهوية إلى ما يشبه الريع الانتخابي، تفقد آلية التمييز الإيجابي مضمونها التمكيني.

ولعل تعيين أول رئيسة للحكومة يحمل في هذا السياق رسالة مزدوجة. فهو يؤكد، من جهة، أن المرأة قادرة على بلوغ أعلى مواقع القرار التنفيذي حين تتولى قيادة حزبها فعليا، وهو منصب لم يأت عبر أي كوطا، بل عبر الفصل 47 من الدستور ونتائج صناديق الاقتراع. لكنه يطرح، من جهة أخرى، سؤال الانسجام: فالأحزاب التي باتت تقبل بامرأة على رأس الحكومة، مطالبة بأن تقبل بها أيضا على رأس لوائحها المحلية في الدوائر القابلة للفوز.

عنف رقمي بلا أرقام مصنفة حسب النوع

رصد المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي، منذ غشت 2026، أشكالا متعددة من استهداف المرشحات تراوحت بين السب والقذف والتشهير والمس بالحياة الخاصة. وقد أكدت الحصيلة التي أعلنتها رئاسة النيابة العامة للفترة الممتدة من 21 غشت إلى 15 شتنبر 2026 هذا التحول، إذ من أصل 93 شكاية سجلت، ارتبطت 22 منها بأفعال ارتكبت عبر شبكات التواصل الاجتماعي والوسائل الرقمية، بما في ذلك محتويات مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في تقريره الأولي الصادر يوم 24 شتنبر، 101 حالة عنف مرتبطة بالحملة الانتخابية.

غير أن ما يلفت الانتباه هو غياب أي تصنيف لهذه المعطيات حسب النوع. فلا نعرف كم من هذه الشكايات قدمتها مرشحات، ولا كم منها تحركت فيها المتابعة، ولا ما إذا كان المقتضى الزجري الجديد الذي أدرجه القانون التنظيمي رقم 53.25 لتجريم نشر الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة قد طبق فعلا لحماية النساء المستهدفات. وكانت هذه الاستحقاقات تعد أول اختبار عملي لهذا المقتضى، والحال أن الاختبار الذي لا تقاس نتائجه لا يمكن الحكم عليه. ويظل العنف الرقمي ضد المرشحات أخطر من غيره، لأنه لا يطال المستهدفة وحدها، بل يوجه رسالة ترهيب إلى كل امرأة تفكر في الترشح.

ما الذي ينبغي فعله قبل استحقاقات 2027

إذا أردنا أن يكون المكسب الحالي بداية مسار لا نهايته، فإن الأمر يقتضي في تقديري أربعة تحولات. أولها ربط جزء من الدعم العمومي الممنوح للأحزاب بعدد النساء وكيلات اللوائح المحلية وبعدد الفائزات منهن في الدوائر المحلية، بدل الاكتفاء بالحضور العددي في اللوائح الجهوية. وثانيها إقرار حد أدنى إلزامي ومتدرج لترؤس النساء للوائح المحلية، يرتفع من استحقاق إلى آخر، مع التفكير الجدي في تحويل اللوائح الجهوية تدريجيا من آلية دائمة إلى آلية انتقالية ذات أفق زمني محدد، انسجاما مع الطبيعة المؤقتة لتدابير التمييز الإيجابي.

وثالثها إلزام وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بنشر معطيات مصنفة حسب النوع، سواء تعلق الأمر بالترشيحات أو بالشكايات أو بحالات العنف والمتابعات، لأن التمييز الذي لا يحصى لا يعالج. ورابعها إرساء مسطرة استعجالية خاصة بشكايات العنف الرقمي ضد المرشحات خلال فترة الحملة، مع توفير دعم قانوني ونفسي للمستهدفات، وتفعيل دور هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز المنصوص عليها في الفصل 164 من الدستور في تتبع هذا الورش.

الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد

قد تسجل كتب التاريخ السياسي المغربي أن سنة 2026 شهدت تعيين أول امرأة على رأس الحكومة. لكن تقييم هذه المرحلة سيتوقف على اختبارين قريبين. الأول هو تشكيلة الحكومة المقبلة، ومدى احترامها لمبدأ المناصفة في الحقائب الوزارية، لا في عددها فقط بل في وزنها أيضا. والثاني هو الانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2027، حيث ستكشف الأحزاب ما إذا كانت مستعدة للمراهنة على النساء في الدوائر المحلية والمجالس الترابية وفي مواقع الرئاسة، لا في نيابات شرفية بلا صلاحيات.

إن المساواة التي كرسها الدستور، والتزامات المغرب بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية سيداو، لا تقاس بعدد المقاعد المحجوزة، بل بعدد المقاعد التي تنتزعها النساء في منافسة متكافئة. وإلى أن ترتفع نسبة 5,6 في المائة من المقاعد المحلية إلى مستوى يليق بنساء يشكلن قرابة نصف الهيئة الناخبة، سيظل المكسب العددي ناقصا، مهما بلغت رمزيته.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى