في الواجهةكتاب السفير

تعيين رئيس(ة) الحكومة بين النص الدستوري و المنهجية الديمقراطية

تعيين رئيس(ة) الحكومة بين المنطق الدستوري و العرف السياسي

السفير 24 – بقلم: د. أيمن الحداد

بعد أن حسمت النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر 2026 صدارة حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، أصبح النقاش حول الشخصية التي يمكن أن تتولى رئاسة الحكومة واحدا من أبرز أسئلة مرحلة ما بعد الاقتراع. فالنتائج وضعت الحزب في المرتبة الأولى، متقدما على التجمع الوطني للأحرار الذي تراجع بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية الذي تقدم بشكل كبير بـ54 مقعدا.

دستوريا، يبدو الإطار واضحا في شقه الأول. فالفصل 47 من دستور 2011 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، غير أن النص لا يتحدث عن «الأمين العام» أو «رئيس الحزب»، وإنما عن شخصية من الحزب المتصدر، وهي صياغة تترك مجالا لاختيار شخصية حزبية أخرى غير المسؤول التنظيمي الأول، بحسب السياق السياسي والمؤسساتي.

ومن هنا يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري داخل النقاش السياسي. فالمنصوري ليست مجرد قيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، بل تشغل موقع المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب، وقد كانت خلال الأشهر السابقة للانتخابات في صدارة عدد من المحطات التنظيمية والسياسية للحزب، إلى جانب باقي أعضاء القيادة الجماعية، كما أن الحزب أكد خلال 2026 استمراره في نموذج القيادة الجماعية عوض العودة إلى صيغة القيادة الفردية.

وتكتسب هذه القراءة بعدا إضافيا إذا استحضرنا سابقة سياسية ودستورية مهمة عرفها المغرب سنة 2017. فبعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، كلف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية آنذاك، بتشكيل الحكومة، غير أن مشاوراته تعثرت لأكثر من خمسة أشهر، وبعد إنهاء مهمته، وقع الاختيار يوم 17 مارس 2017 على سعد الدين العثماني، وهو شخصية أخرى من الحزب نفسه، لتشكيل الحكومة.

واللافت أن العثماني لم يكن حينها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية و لا نائبا للأمين العام؛ بل كان رئيس المجلس الوطني للحزب وأمينه العام السابق، بينما ظل بنكيران أمينا عاما، وقد وصف بلاغ المجلس الوطني للحزب آنذاك العثماني بهذه الصفة صراحة عند الترحيب بتعيينه.

هذه السابقة تحمل دلالة مؤسساتية مهمة، فالدستور يربط رئاسة الحكومة بالانتماء إلى الحزب المتصدر للانتخابات، ولا يجعل قيادة الحزب الفردية شرطا حصريا للتعيين. ومن ثم، فإن البنية التنظيمية الخاصة بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي اختار قيادة جماعية تتولى المنصوري تنسيقها وطنيا، تجعل النقاش حول اسمها منسجما مع طبيعة الحزب التنظيمية الحالية.

لكن المقارنة بين 2017 و2026 ينبغي ألا تتحول إلى مطابقة ميكانيكية، ففي سنة 2017 جاء تعيين العثماني بعد فشل رئيس حكومة معين سابقا في تشكيل أغلبيته، بينما يتعلق النقاش الحالي بالتعيين الأول الذي يعقب مباشرة انتخابات 2026، ولذلك تقدم تجربة العثماني أساسا سابقة توضح مرونة اختيار الشخصية داخل الحزب المتصدر، أكثر مما تقدم نموذجا مطابقا للوضع الحالي.

ثم إن المسؤولية الأساسية لأي شخصية يقع عليها الاختيار لن تتوقف عند رمزيتها الحزبية، فالأصالة والمعاصرة يمتلك 97 مقعدا فقط أي ربع أعضاء مجلس النواب تقريبا، بما يعني أن تشكيل الحكومة سيفرض بناء تحالف برلماني قادر على ضمان أغلبية سياسية مستقرة.

إن سؤال المرحلة لا يتعلق فقط بمن يتصدر هرم القيادة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما كذلك بالشخصية القادرة على الانتقال من منطق القيادة الحزبية إلى منطق رئاسة تحالف حكومي متعدد المكونات، وبين مقتضيات الفصل 47، وخصوصية القيادة الجماعية للحزب، وسابقة تعيين سعد الدين العثماني سنة 2017، يظل اسم فاطمة الزهراء المنصوري واحدا من الأسماء التي يفتح السياق الدستوري والتنظيمي المجال لمناقشتها خصوصا أن تعيين رؤساء الحكومات المحزبين ضل حكرا على الأمناء العامين باستثناء التكنوقراط، و حتى وقت الدساتير التي لم تكن تلزم الملك بتعيين شخصية من الحزب الذي تصدر نتائج مجلس النواب، فيما يبقى التعيين في نهاية المطاف اختصاصا دستوريا حصريا للملك بصفته رئيس الدولة.

مع العلم أن الملكين الراحلين الحسن الثاني و محمد الخامس طيب الله ثراهما. توليا اختصاصات رئيس الحكومة لسنوات.

لكن احتمال تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يكتسب بعدا تاريخيا إضافيا يتجاوز الحسابات الحزبية والتحالفية. فمنذ تشكيل أول حكومة مغربية سنة 1955، تعاقبت على رئاسة الجهاز التنفيذي شخصيات سياسية ومستقلة متعددة، من البكاي بن مبارك الهبيل إلى عزيز أخنوش، دون أن تتولى امرأة هذا المنصب إلى اليوم. وهو ما يعني أن اختيار المنصوري، إن تم، سيشكل سابقة في التاريخ السياسي المغربي باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، بعد مسار عرف خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للنساء في البرلمان والحكومة ورئاسة المجالس الترابية والمدن الكبرى.

ولا يتعلق الأمر هنا بالرمزية الجندرية وحدها، بل كذلك بما يمكن أن يحمله هذا الاختيار من دلالة سياسية في مرحلة يسعى فيها المغرب إلى تعزيز حضور النساء في مواقع القرار. فالمنصوري تجمع، في الحالة الراهنة، بين موقعها داخل القيادة الجماعية للحزب المتصدر وتجربتها في التدبير الحكومي والترابي، بالرغم من أن التجربة الدستورية المغربية أن أظهرت، من خلال تعيين سعد الدين العثماني سنة 2017، أن رئاسة الحكومة ليست مرتبطة حصرا بالشخص الذي يتولى القيادة الفردية الأولى للحزب، ما دام المعين ينتمي إلى الحزب المتصدر للانتخابات.

دكتور في القانون العام و العلوم السياسية
عضو القطب المغربي للدراسات و الأبحاث الاستراتيجية

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى