في الواجهةكتاب السفير

هشام غزولي.. هدوء المسؤول وقوة الإنسان

هشام غزولي.. هدوء المسؤول وقوة الإنسان

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – بقلم : محمد تكناوي

بعض المسؤولين يبحثون عن المنصب ليصنع لهم اسماً، وبعضهم يأتي والاسم يسبقه، لكن عمله يسبق الاثنين معاً. في زمنٍ تضخّم فيه صوت المسؤول حتى غطّى على صوت المرفق، نحتاج أن نتوقف عند أولئك الذين اختاروا أن يعملوا بصمت، ليكون إنجازهم هو من يرفع صوته نيابة عنهم. فالعمل وحده هو الحَكَم الذي لا يجامل ولا ينسى.

في الرحامنة، حيث الملفات أثقل من الخطب، والانتظارات أكبر من الوعود، اختارت الإدارة الوصية على قطاع التعليم أن تراهن على وجه من وجوهها الهادئة. هشام غزولي، المدير الإقليمي للتربية والتكوين منذ ما يقارب سنة ونصف، لم يأتِ عابراً، بل جاء محملاً بسيرة تشبه المدرسة التي ينتمي إليها، سيرة تبدأ من الفصل وتنتهي بقلب المنظومة.

تَشكّل وعيه المهني داخل القسم أولاً، حيث يتعلم الإنسان معنى الرسالة قبل معنى الوظيفة، ثم نضجت رؤيته كمفتش تربوي يرافق الممارسة ولا يحاكمها، وينير الطريق لا يقطعه. وبعدها في قلب الأكاديمية الجهوية لجهة مراكش آسفي، على رأس مصلحة ليست ككل المصالح، مصلحة التربية الدامجة. وهي ليست مصلحة أرقام ومساطر، بل هي مصلحة تقاس بمعيار الإنسان لا بمعيار الملف، تتعامل مع الهشاشة في أرقى تجلياتها، وتدافع عن حق كل طفل في أن يجد له مقعداً داخل الحياة قبل أن يجده داخل القسم. هناك، تعلم لغة أخرى للإدارة، لغة الإنصات العميق.

ولأن هذه التجربة لم تكن إدارية فقط، فقد توجت بتنسيقه الجهوي لمشروع هام مع منظمة اليونيسيف. مشروع لم يبق حبيس التقارير، بل نزل إلى عمق المغرب المنسي. هناك، في الدواوير البعيدة بالحوز والمسالك الوعرة بشيشاوة، تحقق الكثير: فتيات قرويات عُدن إلى مقاعد الدراسة بعد أن كادت العادات والمسافة أن تسرقهن منها، وخدمات توعوية ونفسية وصلت لأول مرة إلى تلميذات وتلاميذ كانوا يظنون أن المدرسة هي فقط جدران وأقسام.

ومن عرف هشام غزولي من بعيد قد يحسبه متحفظاً، قليل الكلام. لكن من اقترب منه واشتغل معه في لحظات الشدة، يدرك أن خلف هذا التحفظ قلباً كبيراً. وقد كانت فاجعة زلزال الحوز هي المرآة التي عكست هذا الوجه كاملاً. هناك، لم يكن المدبر الإداري وحده حاضراً، بل كان الإنسان. تدفق صادق، إنصات يسبق القرار، واحتواء يسبق المسطرة.

تلك هي معادلته التي نجح بها: أن يدير الاختلاف دون أن يصنع خصوماً، وأن يمسك بزمام الملفات الثقيلة دون أن يرفع صوته، مستبدلاً منطق الصدام بمنطق الجسر، حيث يلتقي الجميع ويستفيد الجميع. ولأن الرحامنة اليوم ليست في حاجة إلى من يجيد استعراض الكلام أمام العدسات، بل هي في أمسّ الحاجة إلى من يتقن فن الحضور الصامت والفعّال في الميدان، فإن المناصب في آخر المطاف محطات عابرة، وكراسٍ نمر عليها ويمر عليها غيرنا. لكن هناك رجال يمرون على المنصب فيتركوا أثرهم، وهناك مناصب تمر على الرجال فلا تترك فيهم إلا الغرور. وهشام غزولي من الصنف الأول.

أعرف الرجل جيداً، واشتغلت معه عن قرب، وأعرف أن ما سيبقى له بعد انتهاء المهمة ليس حجم القرارات التي وقعها، ولا عدد المذكرات التي أصدرها، بل تلك الفتاة القروية التي عادت إلى مقعدها بسببه، وذلك التلميذ في دوار ناءٍ وجد أخيراً من يصغي لقلقه قبل أن يصغي لملفه المدرسي .

تلك هي الخلاصة التي لا تكتبها التقارير الإدارية. فمكانك، السيد المدير الإقليمي، سيظل دائماً في المقدمة، ليس بضجيج الخطى واستعراض المنجزات ، بل بصدق الأثر الذي لا يمحى، وبصمت العمل الذي هو أبلغ من كل الخطب.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى