
السفير 24
خلال الأيام الأخيرة، عادت منصات التواصل الاجتماعي إلى واجهة الجدل، بعد تداول معطيات ووثائق منسوبة إلى موظفين ومصالح أمنية مغربية، وسط موجة من التهويل والتشكيك ومحاولات تقديم روايات غير موثقة باعتبارها حقائق ثابتة.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام خروج الجهات الحكومية والقطاعات المعنية بتوضيحات تضع حداً للجدل، ظل التواصل الرسمي الحكومي غائباً بشكل لافت، مقابل تحرك المؤسسة الأمنية التي بادرت إلى توضيح المعطيات المتداولة والرد على عدد من الادعاءات التي أثارت ضجة واسعة.
وقد جاء التوضيح الأمني مباشراً، متضمناً معطيات حول طبيعة البيانات التي جرى تداولها ومصادرها، فضلاً عن التحذير من وثائق وصور مفبركة يتم تقديمها في سياقات توحي بأنها وثائق رسمية أو مسربة، في وقت أصبح فيه التحقق من مصدر المعلومة أمراً ضرورياً قبل إعادة نشرها أو البناء عليها.
غير أن القضية تطرح، في المقابل، سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز مضمون التسريبات المزعومة: لماذا تُترك المؤسسة المعنية وحدها في مواجهة حملات التشويش التي تستهدفها؟
فالحكومة لا تضطلع فقط بمهام التدبير اليومي للقطاعات العمومية، وإنما تتحمل أيضاً مسؤولية سياسية وتواصلية تجاه المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا من شأنها التأثير على صورة مؤسسات الدولة وثقة الرأي العام فيها.
وليس المقصود هنا أن تدخل الحكومة في سجالات مع حسابات مجهولة أو أن تمنح كل منشور على مواقع التواصل حجماً لا يستحقه، وإنما أن تتوفر، عند الضرورة، آلية تواصل مؤسساتية قادرة على التدخل في الوقت المناسب، وتقديم المعلومة الصحيحة، وقطع الطريق أمام الأخبار الزائفة قبل أن تتحول إلى روايات راسخة في أذهان المتابعين.
فالفراغ التواصلي لا يعني بالضرورة صحة الادعاءات، لكنه قد يوفر بيئة خصبة لانتشارها، خصوصاً في ظل سرعة تداول المحتوى الرقمي وصعوبة التمييز أحياناً بين الوثيقة الحقيقية والمفبركة، وبين المعلومة الدقيقة والرواية المصطنعة.
ومن هنا، فإن التحدي المطروح لا يرتبط فقط بقدرة المؤسسات على حماية أنظمتها ومعطياتها، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المعلومة الصحيحة وتعزيز الثقة في الخطاب المؤسساتي.
وفي عصر يمكن فيه لمنشور مجهول المصدر أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، لم يعد كافياً أن تكون الحقيقة موجودة في مكان ما؛ بل أصبح من الضروري أن تصل في الوقت المناسب، وبالوضوح الكافي، ومن الجهة المؤسساتية التي يثق بها الرأي العام.



