
السفير 24 – عبد الله مشنون
لم تعد العلاقات الدولية وتوازناتها مجرد ملفات تُدار خلف الأبواب المغلقة في العواصم الكبرى بل تحولت إلى أوراق ضغط تُستغل في ردهات السياسة المحلية والمجالس الإقليمية داخل أوروبا. وفي هذا السياق تبرز قضية الصحراء المغربية كترمومتر حقيقي لقياس مدى جدية ومصداقية الشركاء السياسيين في القارة العجوز، وخاصة في إيطاليا حيث يتداخل الخطاب الأيديولوجي الموروث من حقبة الحرب الباردة مع المصالح الانتخابية الضيقة.
على مدى السنوات الأخيرة شهدت المقاربة الدولية لملف الصحراء المغربية تحولاً جذرياً نحو الواقعية والبراغماتية. إن مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب لم تعد مجرد خيار للتفاوض بل أصبحت باعتراف القوى الدولية الوازنة السقف الوحيد والشرعي لأي حل سياسي مستدام ومصداق في إطار السيادة المغربية.
وفي هذا الإطار لا يمكن عزل الموقف الإيطالي عن الدينامية الاقتصادية المتصاعدة بين روما والرباط. فإيطاليا تعد الشريك التجاري الخامس للمغرب وهناك مئات الشركات الإيطالية التي تستثمر في قطاعات حيوية بالمملكة كطاقة المتجددة البنية التحتية وصناعة السيارات. بناءً على ذلك فإن الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة بين البلدين تفرض على النخب السياسية الإيطالية تبني رؤية براغماتية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والاعتراف بأن استقرار المغرب ووحدته الترابية هما الضامن الأساسي لأمن الطاقة والاستثمار في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
في المقابل فإن الإصرار على دعم جبهة البوليساريو الانفصالية من قبل بعض التيارات السياسية يمثل سباحة ضد التيار الجيوسياسي ومجازفة أمنية غير محسوبة العواقب. فالتقارير الدولية الصادرة عن مراكز الأبحاث والمنظمات الحقوقية لم تعد تخفي قلقها بشأن:
الوضع الإنساني في مخيمات تندوف: وتحديداً قضايا تحويل المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة للمحتجزين.
تجنيد الأطفال: والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الأساسية.
المخاطر الأمنية: التقاطعات الخطيرة بين الفصائل الانفصالية وشبكات عدم الاستقرار الناشطة في منطقة الساحل والصحراء، مما يهدد الأمن القومي لجنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط بشكل مباشر.
من أكبر التحديات التي تواجه الجالية المغربية في إيطاليا هي ظاهرة ازدواجية الخطاب لدى بعض الأحزاب والقوى السياسية الإيطالية. ففي المواسم الانتخابية تسعى هذه الأحزاب بشتى الطرق إلى خطب ود الجالية المغربية مستغلةً ثقلها العددي والاقتصادي ومظهرةً وجهاً منفتحاً يدعم الاندماج وحقوق المهاجرين.
لكن الممارسة على أرض الواقع تكشف عداءً مبطناً أو استخفافاً بالثوابت الوطنية لهذه الجالية حيث تساهم نفس هذه القوى السياسية عبر مجالسها الإقليمية أو نوابها في تمويل أو رعاية أنشطة تدعم الأطروحات الانفصالية أو تشكيل مجموعات ضغط داخل المؤسسات الإيطالية لخدمة أجندات معادية للمغرب إن هذا السلوك يمثل استغلالاً انتهازياً يتطلب من الجالية أعلى درجات الحذر واليقظة السياسية.
إن مواجهة هذا التضليل السياسي لا تتم بالانسحاب أو السلبية بل بالمشاركة السياسية المكثفة والواعية إن مغاربة إيطاليا اليوم ليسوا مجرد أرقام في سوق الشغل بل هم مواطنون فاعلون دافعو ضرائب ونواة صلبة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي الإيطالي.
وتستمد الجالية المغربية قوتها التفاوضية من معطيات ديموغرافية واقتصادية لا يمكن لأي صانع قرار إيطالي تجاوزها إذ تصنف الجالية المغربية كإحدى أكبر الجاليات من خارج الاتحاد الأوروبي في إيطاليا بنسبة تقارب 10% من إجمالي المهاجرين وبحضور قوي يضم آلاف المقاولين الذاتيين والعمال المساهمين في نظام الضمان الاجتماعي الإيطالي (INPS). هذا الثقل يمنح مغاربة إيطاليا خاصة الأجيال الصاعدة التي حصلت على الجنسية الإيطالية وباتت تمتلك حق التصويت الكامل القدرة على تشكيل كتلة ناخبة مرجحة في الدوائر الانتخابية الرئيسية قادرة على قلب الموازين لصالح من يحترم قضاياهم الوطنية.
لذلك يجب أن تتحول هذه القوة الاقتصادية إلى قوة تصويتية مؤثرة عبر:
التسجيل والمشاركة في الانتخابات لأن صناديق الاقتراع هي الأداة القانونية الأقوى لفرض احترام القضايا المصيرية.
تبني الوعي العقابي انتخابياً: توجيه الأصوات بشكل حاسم وفقط نحو القوى السياسية التي تبدي احتراماً صريحاً وثابتاً للوحدة الترابية للمغرب وقطع الطريق على من يحاولون استغلال الصوت المغربي لتمويل أو دعم خصوم المغرب.
تجاوز الأنماط الأيديولوجية القديمة: معاقبة بعض السياسيين الذين ما زالوا يقرؤون العلاقات الدولية بنظارات الحرب الباردة والتحالف مع التيارات البراغماتية التي تؤمن بالشراكة الاستراتيجية والتنموية بين روما والرباط.
ومن موقعي ككاتب صحفي مواكب عن قرب لديناميات الهجرة وشؤون الجالية المغربية هنا في إيطاليا أرى أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بمجرد التنديد بازدواجية الخطاب الحزبي بل بمدى قدرتنا كجسم صحفي وإعلامي وجمعوي على توثيق هذه المواقف وتعرية التناقضات السياسية. إن متابعتنا اللصيقة لمسارات القرار داخل المجالس البلديّة والإقليمية الإيطالية تفرض علينا مسؤولية توجيه الرأي العام لـصناعة وعي جماعي عابر للأجيال يربط بشكل عضوي بين جودة الاندماج في بلد الإقامة وبين الذود عن المصالح العليا للوطن الأم.
إن تفعيل هذا الوعي السياسي يتطلب أيضاً الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسساتي المنظم عبر تأسيس لوبيات أو مجموعات ضغط داخل إيطاليا تجمع فعاليات المجتمع المدني الكفاءات الأكاديمية والمنتخبين من أصول مغربية. بالإضافة إلى استثمار وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة المحلية الإيطالية لتفنيد الأطروحات الانفصالية بلغة يفهمها المواطن الإيطالي ونقل حقيقة النزاع المفتعل خارج القوالب الأيديولوجية النمطية وتحويل صوت الجالية من مجرد رد فعل انتخابي موسيومي إلى شريك دائم في توجيه السياسة الخارجية الإيطالية نحو مزيد من الواقعية.
إن الدفاع عن المغاربة ومصالحهم في بلد المهجر يمر حتماً عبر نافذة الدفاع عن وطنهم الأم وثوابته المقررة. لقد حان الوقت لتتعلم الجالية الدرس من مناورات الماضي وتجعل من صوتها الانتخابي أداة حاسمة لحماية الهوية والوطن ولإفهام النخب السياسية المحلية أن احترام السيادة المغربية هو شرط غير قابل للتفاوض لكسب ثقة وتأييد مغاربة إيطاليا.
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي*



