
السفير 24 / جمال اشبابي – باريس
هل دخلنا رسميا زمن “الغموض الكروي المستدام”، حيث تحولت دكة البدلاء إلى غرفة عمليات استخباراتية تخضع لبروتوكولات الحرب النفسية. حين تابعنا أنشيلوتي أمام الفراعنة، لم نكن نشاهد مباراة كرة قدم بل مناورة تمويهية من الطراز الرفيع؛ إذ تعمد المدرب الماكر تقديم شوط أول مرتبك، مفرغ من الهوية التكتيكية ومبني على الشك في قدرات البرازليين.
لقد مرر ثلاث إلى أربع خطط هجينة في ظرف دقائق معدودة، لا رغبة في تجريب اللاعبين، بل بنية مبيتة لإرسال إشارات مشفرة وتضليلية لإرباك حسابات المدرب المغربي وهبي، وصناعة فخ “الخاوية فالعامرة” الذي يترك الخصوم في حيرة من أمرهم.
بيد أن المدرب المغربي لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه “الطبخة” الإيطالية، فجاء رد وهبي تكتيكيا بامتياز في مباراة النرويج عبر خطة مضادة اعتمدت على محاكاة تقلبات الطقس. دخل وهبي الشوط الأول بأسلوب “عامر” وقوي، فرض فيه إيقاعا صارما كأنه يعلن الجاهزية القصوى، قبل أن يأمر بإنزال الستار في الشوط الثاني ليتحول الأداء فجأة إلى نسخة “خاوية” تشبه الأرصاد الجوية في يوم خريفي؛ سماء غائمة إلى قليلة الغيوم، بلا معالم واضحة ولا خطوط ربط.
استدرج وهبي الجميع إلى فخ القراءة الخاطئة؛ إذ تعمد خفض مستوى الإيقاع في النصف الثاني من خلال سيل من التغييرات المدروسة في ركائز النخبة والمناورات البدنية، وكأنه يوجه رسالة مبطنة ومشفرة لأنشيلوتي مفادها: “لقد أريتك في الشوط الأول وجهي الحقيقي بجاهزية تامة وفعالية قصوى، لكنني لن أمنحك، ولا لغيرك، ترف الاطلاع على كيفية تدبيري للشوط الثاني وأنا في كامل قوتي تكتيكيا وبدنيا، فابحث عن أوراقي في غياهب الغيوم!”.



