
السفير 24 – ذ. عبد الفتاح العقيلي
في الوصيةِ المنسوبةِ للشيخِ سيدي جمال (رحمه الله)، بَرَزَت فقرةٌ تُثيرُ الوجدانَ وتستوجبُ الوقوف؛ إذ وردَ فيها:
«من عمل بهذه الوصية وأوفى بالعهد والتزم بها فقد ائتمن نفسه وهو على العهد، وعهدُ المحبين لا ينقضي ولا ينقطع، ومن أخلَّ بها وخالفها فاللهُ حسبه، والطريقةُ منه براء، وهو نِعم المولى ونِعم النصير».
ثم استُشهِدَ بقولِه تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10]
وعند هذه الفقرةِ يَلزَمُ الوقوف، صَوناً للمعنى من أن يُقلَبَ على رأسِه.
وثمّةَ ما يَزيدُ هذه الفقرةَ غرابةً ويُضاعِفُ الحيرةَ فيها: فالرجلُ الذي نُسبت إليه الوصيةُ، كما عرفَه مُحبّوه، كان صاحبَ مقامِ المسكنة، مُطرِقاً في تواضع، ليّنَ الجانبِ لا تكادُ تراه غاضباً، شفّافاً صافياً إذا رأيتَه ذكرتَ الله.
فكيف لمن كان دأبُه أن يدلَّ على محبةِ الله وحُسنِ السلوكِ إليه، أن يُذيّلَ وصيتَه بلغةِ الوعيدِ والبراءة؟
إنَّ المسافةَ بين شمائلِ الرجلِ ونبرةِ هذه الجملةِ بعيدةٌ بُعدَ ما بين الرحمةِ والقهر؛ فالقلبُ الذي يفيضُ بالأنسِ بالله لا يستقيمُ على لسانِه طردٌ ولا تهديد.
ولأجلِ هذا وحدَه يُقرأُ هذا المقطعُ بمعزلٍ عن صاحبِه؛ فلعلَّه أُقحِمَ على روحِه، أو حُمِّل ما لا يحتمل، فكم من وصيةٍ أُثقِلت بعد صاحبِها بما ليس منه.
أولاً: حين تتحوّلُ الوصيةُ إلى صكِّ براءة
الوصيةُ في أصلِها بابٌ جليلٌ من أبوابِ التربية، لكنَّ صياغةً تَقرِنُ «عهدَ المحبين» ببراءةِ الطريقةِ ممن خالف، تُحوِّلُ المحبةَ إلى وعيد، والتربيةَ إلى سلطان.
فأيُّ معنىً يبقى للحبِّ إذا صار بابُه مفتوحاً عند الدخول، مُوصَداً عند الخروج؟
إنَّ البراءةَ الروحيةَ من المخالفِ ليست من التصوفِ في شيء؛ فالطريقُ لم يُبْنَ على تهديدِ الخارج، بل على تحريرِ الداخل. والأخطرُ أن يُستدعى الوعيدُ في مقامِ الخصومةِ التنظيمية، فيُوحى للمريدِ أنَّ مفارقةَ شخصٍ هي مفارقةٌ لله؛ وهذا عينُ الجناية على الوعي، إذ يُختزَلُ الدينُ في وَلاءٍ لفرد، وتُقايَضُ النجاةُ بالبقاءِ في حلقةٍ بعينِها.
فالصدقُ لا يُجابَهُ بالطرد، والسؤالُ المشروعُ لا يُسكَتُ بلغةِ الإقصاء.
ثانياً: البيعةُ لله، والمريدون ليسوا قطيعاً
وأمّا الآيةُ الكريمةُ فحُجّةٌ على هذا الصنيعِ لا له؛ فهي تُصرِّحُ أنَّ المبايعينَ ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، وأنَّ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. وإقحامُها في هذا السياقِ خلطٌ فادحٌ بين «مقامِ النبوةِ المعصوم» و«مقامِ المشيخةِ البشرية»؛ فالبيعةُ في الآيةِ لرسولِ الله ﷺ بوصفِه مبلِّغاً عن الحق، ونكثُها نكثٌ مع الله مباشرة، أمّا إسقاطُها على وصيٍّ بشريٍّ فإلباسٌ لثوبِ العصمةِ غيرَ الأنبياء، وإعادةُ إنتاجٍ لـ«مفهومِ الحقِّ الإلهي» في ثوبٍ صوفي.
ثم إنَّ البيعةَ عند القومِ ليست عقدَ وَلاءٍ لشخص، ولا انخراطاً في تنظيم، بل عهدٌ على النفسِ بالتوبةِ والذكرِ والصدق؛ مُتعلَّقُها اللهُ لا الوسيط. فإذا انقلبت البيعةُ التربويةُ إلى بيعةٍ تنظيميةٍ يُجرَّدُ ناكثُها من شرعيتِه الروحية، فقد خرجت من بابِ السلوكِ إلى بابِ السلطان.
فمتى كان المريدون قطيعاً يُساق، أو رَيْعاً معنوياً ومادياً يُحتكَرُ ويُورَث؟
العقدُ مع الله، واليدُ العُليا يدُه، والحسابُ إليه لا إلى أحدٍ سواه.
ثالثاً: الشيخُ يدلُّ على الله ولا يبتزّ
إنَّ الشيخَ الحقيقيَّ مرشدٌ يدُلُّك على الله، ويفرحُ بصِلَتِك بالحقِّ أينما وجدتَها. وقد ضبطَ ابنُ عطاءِ الله السكندريُّ ميزانَ الصحبةِ كلَّه في حكمةٍ واحدة: «لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله». فالصحبةُ مقصودُها النهوضُ لا التعلُّق، والوصولُ لا الإقامةُ عند الباب؛ والدليلُ إنما يُطلَبُ ما دام الطريقُ مجهولاً، فإذا وصل المريدُ إلى مولاه لم يَعُد بالدليلِ حاجة. وهنا يفترقُ التسليمُ المشروعُ — وهو أدبُ المريدِ وانفتاحُه على مَن يَرقى به — عن الاستعبادِ الذي يجعلُ الشيخَ جداراً بين العبدِ وربِّه بعد أن كان نافذةً إليه.
وقد استقرَّ في أصولِ الدينِ أنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق؛ فالشيخُ تحت الشريعة، والوصيةُ تحت الشريعة، والكرامةُ تحت الشريعة. فمن رفعَ شخصاً فوقَ هذا الميزانِ قلبَ الطريقةَ على رأسِها، وحوّلها من رحابِ السلوكِ إلى مؤسسةٍ طائفيةٍ تنزِعُ الشرعيةَ الروحيةَ عن كلِّ من طلبَ التحرر. والتصوفُ حريةٌ كاملةٌ في رحابِ العبوديةِ لله وحدَه، لا شرنقةٌ يُمنَعُ الخروجُ منها.
خاتمة
يبقى المحكُّ الفاصلُ الذي يتلاشى عندَه كلُّ زيف: أعبدٌ أنت لله من خلالِ الشيخ، أم عبدٌ للشيخِ باسمِ الله؟ فمن جعلَ الشيخَ صنماً روحياً يُعبَدُ من دونِ الله — وإن سمّى ذلك تسليماً — فقد بدّلَ القُربى عبوديةً مستورةً بلباسِ الدين. العبوديةُ لله تحرير، والعبوديةُ للشيخِ رِقٌّ مُقنَّع؛ فمن ملكَ شجاعةَ الجوابِ نجا، ومن تلعثمَ في وعيِه هوى.



