
السفير 24
فجّرت حالة الارتباك التي عرفتها أسواق بيع أضاحي العيد موجة جديدة من التوتر السياسي داخل مجلس النواب، بعدما عاد الجدل بقوة حول مآل الدعم العمومي المخصص لاستيراد المواشي، وحقيقة المخزون الوطني من القطيع، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وندرة الأضاحي بعدد من نقاط البيع.
وأعاد هذا الوضع إحياء النقاش بشأن لجنة تقصي الحقائق التي لم ترَ النور، إلى جانب المهمة الاستطلاعية التي ظلت تراوح مكانها لأشهر طويلة دون توافق بين مكونات المؤسسة التشريعية، وسط تبادل حاد للاتهامات بين الأغلبية والمعارضة حول الجهة المسؤولة عن تعطيل مسار الرقابة البرلمانية وكشف تفاصيل واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الولاية الحكومية الحالية.
وفي خضم هذا السجال، حمّلت مكونات من الأغلبية البرلمانية المعارضة مسؤولية فشل المبادرات الرقابية المتعلقة بملف دعم استيراد المواشي، معتبرة أن الخلافات الداخلية بين فرق المعارضة أجهضت مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. وفي هذا السياق، أكد رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، علال العمراوي، أن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات الاستباقية الرامية إلى حماية القطيع الوطني وضبط الأسواق ومحاربة المضاربة، إلى جانب توجيه الدعم بشكل مباشر إلى الكسابة، غير أن استمرار ارتفاع الأسعار، بحسب تعبيره، يعكس استمرار هيمنة منطق المضاربة و”الشناقة” داخل الأسواق، رغم التدابير التنظيمية المتخذة بمناسبة عيد الأضحى. كما اعتبر أن المهمة الاستطلاعية كانت خياراً أكثر نجاعة وسرعة مقارنة بلجنة تقصي الحقائق، متهماً المعارضة بعدم الانخراط الجدي في هذا المسار.
في المقابل، شددت مكونات من المعارضة على أن ملف دعم استيراد المواشي لا يمكن طيه أو تجاوزه دون محاسبة سياسية ومؤسساتية دقيقة، معتبرة أن ما عاشته الأسواق قبيل العيد كشف عن اختلالات عميقة في تدبير هذا الملف.
وأكد إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، أن الدعم العمومي المخصص للقطاع “ذهب في غير محله”، وأن الجدل المرتبط به سيظل مفتوحا إلى غاية الكشف الكامل عن مصير مليارات الدراهم التي تم ضخها لدعم الاستيراد.
كما أثار المتحدث ذاته علامات استفهام حول الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم القطيع الوطني، معتبرا أن الحديث عن عشرات الملايين من رؤوس الأغنام لا ينسجم مع واقع الندرة التي عاشها المواطنون داخل الأسواق، داعيا إلى تفعيل لجنة لتقصي الحقائق تمتلك صلاحيات واسعة للاستماع إلى مختلف المتدخلين وإحالة أي اختلالات محتملة على الجهات القضائية المختصة.
ويعكس التصعيد السياسي المتواصل حول هذا الملف حجم التوتر الذي بات يرافق القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية والأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة، خاصة في ظل تنامي الانتقادات المرتبطة بفعالية الدعم العمومي وآليات مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار. كما يؤشر هذا الجدل على دخول مبكر في أجواء التجاذب السياسي المرتبط بالاستحقاقات المقبلة، حيث تحاول مختلف الأطراف توظيف ملف الأضاحي والدعم العمومي لإبراز مسؤوليات الخصوم السياسيين وتحميلهم تبعات الأزمة.
وبين اتهامات المعارضة بمحاولة التستر على اختلالات محتملة، ودفاع الأغلبية عن حصيلة التدخلات الحكومية، يبقى الرأي العام في انتظار كشف رسمي واضح يبدد الغموض الذي ما زال يلف هذا الملف الحساس.



