في الواجهةكتاب السفير

سيادة الأسرة الصغيرة وتغوّل العائلة الممتدة

سيادة الأسرة الصغيرة وتغوّل العائلة الممتدة

le patrice

السفير 24 – عبد الفتاح العقيلي

الفرع الذي لم ينفصل: حين يبتلع منطق القبيلة ميثاق النكاح

يختزل التدخل العائلي في المتصور المغربي السائد إلى صورة نمطية بين الحماة والكنّة، فيقدم وكأنه شأن نسائي بين امرأتين تتنازعان رجلا. غير أن هذا الاختزال يخفي الحقيقة الأعمق: أن “العائلة” في ثقافتنا ليست مجموع أفراد ولا حكر جنس، بل بنية سلطة كاملة تتجاوز الأشخاص. وحين يؤسس بيت زوجية جديد، لا يفهم في عرفها كخلية مستقلة ذات سيادة، بل كفرع يبقى تحت ولاية الأصل.

الفرع الذي لم ينفصل

في الثقافة المغربية، لا يغادر الولد بيت أهله فعلا حين يتزوج، بل يعار. عقد النكاح ينقله قانونا، لكن العرف يحتفظ به رمزا. يبقى ابنا قبل أن يكون زوجا، وتبقى بنتا قبل أن تكون زوجة، ويبقى الأهل مرجعا أول في تفاصيل يفترض الميثاق الزوجي أنها صارت من اختصاص البيت الجديد.

ويترتب على هذا التصور أن كثيرا من الخلافات الزوجية ترفع فورا إلى محكمة عائلية موازية، لا لتحل بل لتحشد لمصلحة الفرع ضد الفرع الآخر، وأن أسرار البيت تنزلق في حالات غير قليلة إلى مجموعات خارجية لا يعلم بها صاحب البيت.

والمشهد المتكرر اليوم: يدخل أحد الزوجين بيته فيجد الآخر منشغلا في مجموعة “العائلة” على واتساب، تتداول فيها تفاصيل يومه، ويستفتى أهلها في صغار الأمور وكبارها، وتنزل قرارات من خارج البيت إلى داخله بضغطة زر. وكأن العائلة الممتدة لم تغادر أبدا، بل واصلت العيش والسكنى داخل البيت الزوجي، بلا إذن ولا استئذان.

سلاح صلة الرحم

حين يحاول أحد الطرفين أن يضع حدودا لهذا التدخل، يواجه فورا بسلاح لا يقاوم في الوعي الجمعي: تقطع الرحم. وحين يختار الطرف الآخر بيته على بيت أهله في خلاف ما، يواجه بصيغة أخرى: لا تنس من ربّاك. وفي الحالتين، يتحول مفهوم شرعي نبيل من رابطة مودة إلى عقد تبعية، ومن فضيلة اختيارية إلى سيف مسلّط.

غير أن الفقه السنّي بمذاهبه الأربعة كرّس حق الزوجين في مسكن شرعي مستقل يأمنان فيه على بيتهما، حتى في مواجهة أهلهما أنفسهم. وقد جعل الله المودة والرحمة بين الزوجين آية من آياته إذ قال:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

ولا تنشأ هذه الآية في فضاء تتسلط فيه عائلتان على فرعين لم يكتمل انفصالهما عن الأصل. فمن يستحضر صلة الرحم لإخضاع البيت الزوجي، يستحضر دينا لا وجود له في الكتب.

آليات الاختراق اليومي

لا يتخذ هذا التدخل صورة الاقتحام الصريح في الغالب، بل يتسرب عبر قنوات ناعمة يصعب الاعتراض عليها دون أن يبدو المعترض جاحدا. منها الاستشارة الإلزامية، حيث لا يتخذ قرار في البيت الجديد إلا بعد عرضه على الأهل. ومنها الزيارة المفتوحة بلا إذن ولا موعد، وكل مطالبة بحد أدنى من التنظيم تقابل بالاتهام بالتعالي. ومنها التحالف التلقائي لعائلة كل طرف معه في الخلاف، لا بحثا عن الإنصاف بل تطبيقا لقانون الدم. ومنها توظيف الأبناء الذين ينشّأون على ولاءات متعددة تمزق ميزان الرحمة بين أصل وفرع، فيكبرون وهم لا يعرفون لبيتهم سيادة ولا لميثاق والديهم حرمة.

في الختام: شرط السيادة

ولا يعني هذا التشخيص نفي حالات يكون فيها تدخل الأهل حماية من ظلم أو عنف أو فساد ظاهر، فذلك باب آخر؛ وإنما الكلام عن التدخل الذي يتحول من نصح إلى وصاية، ومن رحمة إلى حصار.

سيادة الأسرة الصغيرة ليست انقلابا على الأسرة الممتدة، ولا قطيعة مع الرحم، ولا تبنّيا لنموذج غربي مستورد. هي شرط بقاء الرابطتين معا. فالبيت الزوجي ليس فرعا من بيت العائلة، بل خلية مؤسِّسة ذات سيادة كاملة في قرارها وخصوصيتها ومالها، والمعركة بين منطقين لا بين عائلتين: منطق القبيلة الذي يرى الفرد ملكا للجماعة، ومنطق الميثاق الذي يرى البيت الزوجي مؤسسة قائمة بذاتها.

ولذلك كثيرا ما يتوقف نجاح الأسرة الصغيرة على أمرين متلازمين: قدرة الزوجين — أو أحدهما حين يعجز الآخر — على مواجهة ضغط العائلة الممتدة، وقيام تواصل مسؤول محترم بينهما يحل الخلاف في حدوده قبل أن يستجلب وصاية من خارجه.

صلة الرحم الحقيقية هي التي تحفظ البيوت، لا التي تلتهمها. ومن أحبّ ولده فعلا — ابنا كان أو بنتا — تركه يكون زوجا أو زوجة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى