في الواجهةمجتمع

الأمن الوطني المغربي: سبعون سنة من التحول.. من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة في التحديث والنجاعة

الأمن الوطني المغربي: سبعون سنة من التحول.. من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة في التحديث والنجاعة

le patrice

السفير 24

لا تقاس رتب المؤسسات الأمنية بعدد سنواتها فقط، بل بقدرتها المستمرة على التكيف مع التحولات المجتمعية وتطور طبيعة التهديدات وارتفاع سقف انتظارات المواطنين. ومن هذا المنظور، لا يقرأ تاريخ الأمن الوطني المغربي كسرد إداري متتابع، بل كمسار إصلاحي طويل انتقل فيه من طور التأسيس إلى طور التأهيل، ثم إلى التحديث العميق، قبل أن يبلغ في السنوات الأخيرة مرحلة أكثر نضجاً من حيث النتائج والأثر.

وحسب ما يفيده تتبع هذا المسار، فإن ورش الإصلاح لم يكن لحظة واحدة، بل عملية تراكمية أعادت تشكيل مفهوم العمل الشرطي تدريجيا، وفق رؤية مؤسساتية جعلت من التكوين والتخصص ركيزة أساسية. وفي هذا السياق، شكل إحداث المعهد الملكي للشرطة سنة 1978 منعطفا حاسما في ترسيخ التكوين المهني، قبل أن يعزز إنشاء مختبر الشرطة العلمية سنة 1996 البعد العلمي في البحث الجنائي، وهو ما مهد لمرحلة جديدة من تحديث أدوات الاشتغال الأمني.

ومع بداية الألفية الثالثة، اتسع هذا المسار ليشمل تحولات نوعية، من أبرزها فتح الولوج أمام النساء إلى مختلف الرتب سنة 2001، وإحداث مدرسة الشرطة ببوقنادل سنة 2002، إلى جانب تطوير وحدات متخصصة في التدخل والتكفل بالنساء ضحايا العنف، وتحديث البنيات التكوينية والعلمية. وقد أفرزت هذه الدينامية تراكماً واضحاً لثقافة مهنية جديدة تقوم على الاحتراف والتخصص والانضباط.

وفي هذا الإطار، شكلت سنة 2015 نقطة تحول مفصلية، حين عين الملك محمد السادس عبد اللطيف حموشي مديراً عاماً للأمن الوطني مع احتفاظه برئاسة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في خطوة رافقها توجه واضح نحو تسريع وتيرة الإصلاح. وقد ربط بلاغ الديوان الملكي هذا التعيين بإعطاء دينامية جديدة للمرفق الأمني، وتحديث أساليب عمله، وتعزيز التنسيق بين مختلف مكوناته، بما ينسجم مع رؤية شمولية تقوم على النجاعة والحكامة.

ومنذ تلك المرحلة، انطلقت عملية إعادة هيكلة داخلية عميقة، بدأت بإعادة ضبط التوازنات المالية للمؤسسة عبر تسوية متأخرات تفوق 13.5 مليار سنتيم، شملت نفقات التسيير ومستحقات التجهيز والخدمات. ولم يكن هذا الإجراء مجرد عملية محاسباتية، بل خطوة لإرساء حكامة مالية أكثر صرامة، مهدت لمرحلة جديدة من ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبالتوازي مع ذلك، انطلقت ورش الرقمنة عبر نظام تدبير المعطيات GESTARR، الذي ساهم في تحديث الإدارة الأمنية وربط المصالح الترابية بالمركز، وتحسين تتبع الشكايات والملفات والخدمات. كما عرفت المؤسسة واحدة من أكبر عمليات الترقية المهنية في تاريخها، شملت حوالي 14 ألف موظف، في سياق تعزيز التحفيز الداخلي وتثمين الموارد البشرية.

وعلى المستوى الميداني، توسعت البنية الأمنية بشكل ملحوظ، من خلال إحداث فرق جهوية للأبحاث والتدخل، وتعزيز وحدات الاستعلام الجنائي، وتطوير مراكز القيادة والتنسيق، بما سمح برفع القدرة على التدخل السريع ومواكبة التحديات الأمنية المتزايدة، سواء في المجال الحضري أو في الملفات المعقدة.

كما شمل التحديث البعد الحقوقي في علاقة وثيقة بالمؤسسات الدستورية المعنية، حيث جرى إدماج مقاربات حقوق الإنسان في التكوين الشرطي، بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، إضافة إلى إعادة تنظيم خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، وتطوير آليات المراقبة داخل أماكن الاحتفاظ تحت الحراسة النظرية.

وفي السياق ذاته، تم تعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي عبر اتفاقيات وإجراءات تنظيمية جديدة، تروم ترسيخ احترام الحقوق والحريات في الممارسة الأمنية، في انسجام مع التوجيهات الملكية التي تربط بين الفعالية الأمنية وصون الكرامة الإنسانية.

أما على المستوى العلمي والتقني، فقد رسخ المختبر الوطني للشرطة العلمية موقعه كمؤسسة مرجعية معتمدة وفق المعايير الدولية، فيما شهدت منظومة الهوية الرقمية المرتبطة بالبطاقة الوطنية تطوراً لافتاً، جعلها جزءاً من منظومة الخدمات العمومية الحديثة، وهو ما تُوّج باعترافات دولية واتفاقيات لتعزيز التحول الرقمي في الإدارة.

ولم يتوقف أثر هذا التحول عند البعد الداخلي، بل امتد إلى تعزيز حضور الأمن الوطني المغربي في الفضاء الدولي، من خلال المشاركة في التكوينات المتخصصة، وتبادل الخبرات في مجالات الشرطة العلمية والرقمنة وتدبير المخاطر، بما عزز صورة المؤسسة كفاعل أمني منفتح وذو كفاءة معترف بها.

وفي السياق ذاته، أصبحت “أيام الأبواب المفتوحة” مناسبة سنوية تعكس تطور علاقة المؤسسة بالمجتمع، حيث تجاوز عدد الزوار في إحدى دوراتها 2.4 مليون زائر، في مؤشر على اتساع دائرة القرب والتواصل وبناء الثقة مع المواطنين.

وتؤكد المؤشرات الاجتماعية، وفق المعطيات المتاحة، أن مستوى الثقة في جهاز الأمن الوطني في المغرب سجل نسباً مرتفعة، تعكس تحسناً في صورة المؤسسة داخل الوعي العام، وهو ما يرتبط مباشرة بدينامية الإصلاح والانفتاح والتحديث التي راكمها الجهاز خلال العقد الأخير.

وبعد سبعين سنة من التطور، يتضح أن تجربة الأمن الوطني المغربي ليست مجرد توسع مؤسساتي، بل مسار تحول عميق أعاد تعريف وظيفة الأمن داخل الدولة والمجتمع، من جهاز ناشئ إلى مؤسسة رائدة تجمع بين الفعالية الميدانية، والتحديث الإداري، والانفتاح المجتمعي، والحضور الدولي المتنامي.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى