
السفير 24 – بقلم: محمد بلفلاح
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتغلب فيه الأضواء على الجوهر، تبرز أسماء اختارت طريقا مختلفا، طريق العمل في صمت وترك الأثر حيث ينبغي أن يكون. من بين هذه الأسماء، يبرز اسم مولاي عمر الوالدي، الإطار الجماعي السابق بالحي الحسني، الذي بصم مسارا مهنيا امتد لأزيد من 35 سنة، عنوانه الالتزام ونكران الذات.
لم يكن مولاي عمر الوالدي مجرد موظف يؤدي مهامه اليومية، بل كان رجل إدارة بالمعنى النبيل للكلمة. منذ بداياته المهنية، رسم لنفسه خطا واضحا يقوم على خدمة الصالح العام، واحترام القانون، والإنصات لانشغالات المواطنين. في كل محطة من مساره، ظل وفيا لقيم النزاهة والانضباط، ما جعله يحظى بثقة زملائه وتقدير المتعاملين معه.
اشتغل الراحل عن الوظيفة، الحاضر في الذاكرة، بعدة مواقع، من بينها جماعة ليساسفة سابقا ومقاطعة الحي الحسني، حيث تقلد مسؤوليات مهمة، خاصة كرئيس لمصلحة الأشغال، ثم مصلحة التدبير المفوض. وهي مواقع لم تكن سهلة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقضايا حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين، من ماء وكهرباء وتطهير ونظافة. غير أن الوالدي نجح في تحويل هذه المسؤوليات إلى فضاء لخدمة المواطنين، من خلال تتبع شكاياتهم، والحرص على إيجاد حلول عملية لها.
ما يميز هذه الشخصية، كما يروي المقربون منه، ليس فقط صرامته المهنية، بل أيضا إنسانيته العالية. كان قريبا من الجميع، لا يتردد في تقديم المساعدة أو إسداء النصح، حاضرا بروح إيجابية داخل محيط العمل. لم تغره السلطة الإدارية، وظل بسيطا متواضعا، يستقبل المواطنين بنفس الاهتمام، ويحرص على معالجة ملفاتهم في إطار من الشفافية والإنصاف.
وعلى امتداد سنوات عمله، لم يكن منفذا سلبيا للقرارات، بل فاعلا إيجابيا ساهم في تطوير طرق العمل وتحسين جودة الخدمات، ومواكبة التحولات التي عرفتها منطقة ليساسفة. ترك وراءه رصيدا من التجارب والخبرات، وأثرا يصعب محوه في ذاكرة الإدارة والمحيط المهني.
اليوم، وبعد إحالته على التقاعد، لم يضع مولاي عمر الوالدي نقطة النهاية لمسار العطاء، بل فتح صفحة جديدة من العمل المدني، من خلال ترؤسه جمعية تعنى بالنظافة والبنية التحتية. لا يزال حاضرا بقوة في قضايا الشأن المحلي، مساهما بآرائه واستشاراته، ومدافعا عن مشاريع تنموية تعزز البنية التحتية وترتقي بجودة العيش داخل المقاطعة.
تكريمه من طرف الجمعية الوطنية لتجار الجملة للمواد الغذائية بالمغرب، خلال احتفالها بذكراها السنوية، لم يكن مجرد لحظة احتفاء عابرة، بل اعتراف مستحق بمسار رجل أعطى الكثير دون ضجيج، وترك بصمة في القلوب قبل المؤسسات.
إنه مولاي عمر الوالدي… رجل يمكن اختزال سيرته في كلمة واحدة: الوفاء.


