
السفير 24
في سياق يتسم بتنامي التوتر بين الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي، برزت مبادرة إدريس شحتان، مدير قناة شوف تيفي، باعتبارها خطوة نوعية تنقل الجدل من مستوى السجال الخطابي إلى فضاء المساءلة المؤسساتية والشفافية القانونية.
فقد اختار شحتان، بدل الاكتفاء بالردود الإعلامية أو التراشق اللفظي، توجيه مراسلة رسمية إلى المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ملتمسا تمكين الرأي العام من معطيات دقيقة حول مزاعم تتعلق بامتلاك عقارات منسوبة إليه وإلى أفراد أسرته.
هذه المبادرة، من زاوية تحليلية، تعكس وعيا بدور الإعلام كوسيط بين الحقيقة والمؤسسة، وتؤسس لمقاربة قوامها الاحتكام إلى الوثيقة الرسمية بدل الخطاب الانطباعي. فطلب الكشف العلني عن المعطيات العقارية سواء تعلق الأمر بعقارات بمدينة فاس، أو بنواحي سيدي رحال وبرشيد، أو بشقة بمارينا لا يحمل في جوهره نزعة تبريرية، بقدر ما يؤكد استعداد الفاعل الإعلامي لتحمل تبعات الشفافية الكاملة أمام الرأي العام، وهو ما ينسجم مع المعايير الأخلاقية للعمل الصحفي المهني.
في المقابل، تضع هذه الخطوة الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، أمام معادلة جديدة في تدبير الخلاف. فانتقال النقاش إلى مستوى المؤسسات الرسمية يفقد السجال طابعه الرمزي، ويدفعه نحو اختبار الوقائع القابلة للتحقق. وبهذا المعنى، يبدو أن أوزين قد وجد نفسه منخرطًا بقوة السياق في مواجهة إعلامية مع قناة شوف تيفي، ليست مواجهة خطاب بخطاب، بل مواجهة تقوم على منطق الإثبات والتدقيق.
وإذا كان الحقل السياسي المغربي قد اعتاد في كثير من الأحيان على صراعات تدار بلغة الاتهام والتأويل، فإن ما أقدم عليه إدريس شحتان يُعيد ترتيب قواعد الاشتباك، عبر إحالة النزاع إلى مرجعية قانونية وإدارية محايدة.
كما أن هذا المسار، بما يحمله من رمزية، يعكس تحولا في علاقة الإعلام بالسياسة، حيث لم يعد الإعلام مجرد ناقل للادعاءات، بل فاعلا يطالب بالتحقق والتوثيق.
هذا، وتبقى مبادرة شحتان لا يمكن قراءتها كفعل دفاعي معزول، بل كاختيار استراتيجي يُعيد تعريف حدود المسؤولية الإعلامية، ويضع الفاعل السياسي أمام اختبار الشفافية.
وفي هذا الإطار، تتجاوز المواجهة بعدها الشخصي لتصبح نقاشًا عموميًا حول صدقية الخطاب السياسي، ودور الإعلام في صيانته من الانزلاق نحو الشعبوية أو التعميم غير المؤسس.



