
السفير 24 – محمد رياض
لم يكن فوز المنتخب الوطني لكرة القدم بكأس العالم للشباب مجرد تتويج رياضي عابر، بل لحظة تاريخية مميزة لصناعة الفرح الجماعي، تجلت بوضوح في خروج الجماهير المغربية مبتهجة إلى الشوارع والساحات التي اهتزت بهتافات الفخر والاعتزاز بأبطال المنتخب الوطني وببلدهم المغرب.
كان الحدث أكثر من انتصار كروي، كان انتصارا رمزيا لكل حلم مؤجل، ولكل طموح شبابي يترقب فرصته.
لقد عرفت كرة القدم المغربية في السنوات الأخيرة طفرة نوعية غير مسبوقة، سواء على مستوى الأداء الكروي أو البنيات التحتية المواكبة أو التنظيم المؤسساتي، مما جعلها تحظى بتقدير وإشادة على المستوى القاري والدولي، وجعل المغرب مؤهلا لتنظيم تظاهرات قارية ودولية كبرى.
لكن هذه الدينامية الرياضية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية التنافس الكروي والنجاحات الرياضية، بل ينبغي تأملها من منظور تربوي وتعليمي لما تحمله من دلالات وفرص وإمكانات لبناء الإنسان المغربي.
إن الفرحة التي أشاعها فوز المنتخب الوطني للشباب ينبغي ألا تكون عابرة، بل يجب أن تتحول إلى مناسبة لإعادة ربط المدرسة بالواقع والحياة، وجعل كرة القدم، التي صارت إحدى أكبر اهتمامات الإنسان المعاصر ليس فقط بوصفها رياضة بدنية بل باعتبارها ظاهرة اجتماعـية وثقافية واقتصادية تجمع بين الترفيه والشعور بالانتماء والهوية الجماعية وتفرض نفسها بقوة، من المداخل الأساسية للمساهمة في تأهيل التلاميذ وتمكينهم من القيم الكونية التي تسكن روح الرياضة: المثابرة، العمل الجماعي، التنافس الإيجابي، الانضباط.. وهي كلها قيم أساسية في التربية. فالتعليم لا ينبغي أن يحيد عن مواكبة نبض المجتمع ويفوت فرص الأحداث الوطنية الكبرى الملهمة، وإلا بقي تعليما معزولا لا يصنع أثرا.
بل إن هذا السياق يشكل فرصة سانحة لتصحيح مفهوم الوطنية في أذهان الأجيال الصاعدة، فالوطنية لا تختزل فقط في الهتاف للمنتخبات الوطنية أو رفع الأعلام الوطنية في المناسبات ، بل تتجلى في السلوك المدني اليومي، وفي احترام القانون، والحرص على المصلحة العامة، والإسهام الإيجابي في تقدم الوطن والمساهمة في تحقيق رفعته في كل المجالات.
إن هذه الدينامية الرياضية والطفرة الكروية تمثل فرصا كبيرة لإدماج التربية الرياضية في صلب المشروع التربوي التعليمي، فالنجاحات الرياضية يمكن أن تستثمر في خلق قصص ملهمة داخل الفصول الدراسية وفي النوادي التربوية، من خلال إبراز النماذج الرياضية كنماذج للتحفيز على المثابرة والاجتهاد، وليست فقط للفرجة. كما يمكن توظيف الحدث الرياضي كمناسبة لتنظيم أنشطة تربوية تعزز كفايات المتعلمين وترسخ القيم الإيجابية لديهم.
وللأسف فإن التفكير بهذه الرؤية التربوية التكاملية يكاد يكون محدودا باهت الحضور، فلا يتعدى كونه استحضارا مناسباتيا لا يرقى إلى مستوى التطلعات ولا يحقق الأثر المنشود، مما يجعل فرص الاستفادة من الزخم الرياضي تضيع دون استثمار تربوي فعال.
في نفس السياق، لابد من الإشارة إلى أن التحضير لاستضافة بلدنا كأس إفريقيا متم هذا العام، وكأس العالم 2030، وهو تتويج للمغرب كقوة رياضية صاعدة ومبعث على الفخر والاعتزاز بالوطن والهوية، ليس مجرد عمل تقني تنظيمي، بل هو أيضا مشروع مجتمعي تربوي بامتياز يتطلب تعبئة كل مؤسسات التنشئة ( الأسرة والإعلام والمدرسة والمجتمع المدني..) للقيام بأدوار كبيرة للتوعية بقيم السلوك المدني المتحضر، واحترام البيئة، وتعزيز قيم التسامح والانفتاح.. فتنظيم هذه التظاهرات الرياضية الكبرى يعد رسالة حضارية تكرس هذه القيم وتعيد تشكيل صورة المغرب في أذهان الناشئة كبلد قادر على المنافسة والريادة، كما أنه يمثل فرصة تفتح المجال أمام الناشئة والشباب للانفتاح على ثقافات أخرى، ولغات جديدة وقيم كونية تغني رؤيته للعالم، وتساهم في تأهيله ليكون مواطنا فاعلا ومؤثرا إيجابا.
إن هذه الدينامية الرياضية والطفرة الكروية بكل صورها وملامحها التي تشيع الفرح والأمل لا ينبغي أن تظل محدودة في الزمن والمجال، بل يجب أن تجد أثرها التربوي في نفوس الناشئة، وصداها في عقولهم وتطلعاتهم وسلوكهم اليومي.
التربية تقترن بالأمل، وأملنا أن تتحول هذه الإنجازات إلى طاقة ملهمة تلهم الناشئة، وأن يمتد وهج هذا الانتصار والفرح إلى فضاءات التربية والعلم والثقافة، حينها يصبح الأمل فعلا ويصير الفرح رسالة عميقة تتجاوز اللحظة إلى بناء الإنسان والوطن.
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي مهتم بقضايا التربية والتكوين*



