في الواجهةكتاب السفير

من عليوة إلى الزفزافي: بين 4 مارس و4 شتنبر، تاريخ يغازل الصدفة

من عليوة إلى الزفزافي: بين 4 مارس و4 شتنبر، تاريخ يغازل الصدفة

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

في السياسة المغربية، ليست الجنازات مجرد لحظة وداع عابرة. أحيانا تتحول إلى مشهد مكتمل العناصر، تتقاطع فيه الإنسانية بالقانون، والرمزية بالسياسة. بين 4 مارس 2013 و4 شتنبر 2025، خرج اسمان بارزان من السجون لوداع الأبوين: خالد عليوة في جنازة والدته، وناصر الزفزافي في جنازة والده. صدفة التاريخ وحدها تكفي لإغراء المراقبين بالتأويل، فما بالك حين تتضاعف الرمزية بتزامن وفاة والد الزفزافي مع احتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.
يوم خرج خالد عليوة من سجن عكاشة، بدا الأمر أكثر من مجرد إجراء إداري. شخصيات سياسية من الاتحاد الاشتراكي أحاطت بالرجل في المقبرة، في حين قرأت الصحافة الغياب الحكومي كرسالة لا تقل قوة عن الحضور الحزبي. أما المفاجأة الأكبر فكانت برقية التعزية الملكية التي خاطبته بصفة “الأستاذ”، صيغة توقفت عندها الصحف مطولا، البرلمان نفسه دخل على الخط، عبر انتقادات وجهها برلمانيون لما رأوه محاباة في طريقة التعامل مع الملف. هكذا تحولت رخصة حضور جنازة والدته إلى مادة جدل سياسي وإعلامي، بينما كتب بعض الصحفيين جملة ستبقى في الذاكرة: “في الرابع من مارس 2013 خرج خالد عليوة من سجنه ولم يعد”، كأن الجنازة أغلقت أبواب السجن قبل أن يغلق القبر على الراحلة.
بعد اثني عشر عاما، أعاد التاريخ نفسه لكن بوجه آخر. ناصر الزفزافي، الذي صار أيقونة لحراك الريف، خرج من سجن طنجة إلى الحسيمة لوداع والده. المندوبية العامة للسجون تحدثت عن “استثناء إنساني”، والصحافة وصفت المشهد بأنه “صورة نادرة للرحمة في قلب القانون”. ظهوره بين المعزين دون أصفاد ولا حراسة مشددة كان بحد ذاته حدثا سياسيا، وأثار موجة تكهنات: هل يمهد هذا الخروج لعفو شامل عن الرجل؟ منظمات حقوقية كانت قد طالبت بذلك قبل أسابيع بسبب مرض والده، فيما انقسمت الصحف بين من يستبعد أي تسوية قريبة ومن يقرأ في خطوة “الجنازة” مقدمة لانفراج أكبر.
لكن ما يجعل الرابع من شتنبر أكثر ثقلا من الرابع من مارس هو تصادف التوقيت مع عيد المولد النبوي. أن يدفن والد الزفزافي في يومٍ تضاء فيه الزوايا وترفع فيه الصلوات على الرسول الكريم، يجعل الصورة مثقلة بدلالة مضاعفة: دين يدعو إلى الرحمة، وقانون يختبر حدودها. كان المشهد في أجدير أشبه بلحظة تعانق بين السياسة والدين، بين مبدأ الدولة الصارمة وروح المناسبة الروحية التي تحتفي بالمغفرة والمواساة.
هكذا يصير سؤال “الرابع” مشروعا: هل نحن أمام محض صدفة تاريخية، أم أمام تقليد جديد يكتب دون أن يعلن؟ في الحالتين، يظل الدرس واحدا: حين تتأنسن العدالة، تقنع أكثر. وما بين دمعة وداع في مقبرة الرباط ودمعة أخرى في مقبرة أجدير، يكتشف المغرب أن السياسة مهما بلغت من صرامة، تظل منصتة للحظة إنسانية تعيد الاعتبار لقيمة الرحمة.
فهل يتحول “الرابع” إلى موعد دائم مع الجنازات الاستثنائية، أم يظل مجرد تاريخ يغازل الصدفة؟ الجواب ليس في رزنامة الأيام، بل في تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة واضحة المعايير، تجعل العدالة أكثر إنسانية، وتجعل السياسة أقل التباسا.
حقا، الجنازات لا تكتب الأحكام، لكنها تذكر دائما بأن فوق القانون نصا آخر: نص الرحمة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى