في الواجهةكتاب السفير

شرع اليد في المغرب: تحدٍ مجتمعي يستدعي تدخلًا مؤسساتيًا شاملًا

شرع اليد في المغرب: تحدٍ مجتمعي يستدعي تدخلًا مؤسساتيًا شاملًا

le patrice

السفير 24

لا يمر وقت طويل في المغرب دون أن تطفو على السطح حادثة جديدة تتعلق بما يُعرف بظاهرة “شرع اليد”، حيث يعمد مواطنون إلى تنفيذ ما يرونه عدالة شخصية خارج إطار القانون، عبر الاعتداء على أشخاص بدعوى أنهم ارتكبوا مخالفة أو تجاوزًا. هذه السلوكات، التي تنتهي أحيانًا بإصابات خطيرة أو حتى بجرائم قتل، لم تعد حوادث معزولة أو طارئة، بل باتت تكشف عن إشكال بنيوي في علاقة المواطن بمختلف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها مؤسسات الأمن والقضاء، إلى جانب أدوار لا تقل أهمية لباقي القطاعات ذات الصلة.

الواقع أن استفحال هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في غياب أمني أو خلل قضائي فحسب، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل، من أبرزها ضعف التربية القانونية، وقصور في الوعي المدني، وتراجع منسوب الثقة في آليات الدولة الرسمية لتسوية النزاعات. في هذا السياق، لا بد من التأكيد أن مسؤولية التصدي لظاهرة “شرع اليد” لا تقتصر على الأجهزة الأمنية أو القضاء وحدهما، بل تمتد لتشمل مختلف الوزارات والمؤسسات المعنية، من التربية والتعليم، إلى الثقافة، والشؤون الإسلامية، والتنمية الاجتماعية، والإعلام، بل والمجتمع المدني بمختلف أطيافه.

ففي الآونة الأخيرة، عرفت عدة مدن مغربية حوادث أثارت استنكارًا واسعًا. من بينها واقعة اعتداء جماعي على شاب في مدينة فاس بسبب اتهامه بمحاولة سرقة، قبل أن يتبين لاحقًا أنه يعاني من اضطرابات نفسية. وقبلها حادثة مشابهة في آسفي، حين تعرض شاب للضرب المبرح من طرف مجموعة من المواطنين بسبب خلاف بسيط في الطريق. غير أن الحادثة التي فجّرت النقاش مجددًا حول هذه الظاهرة، كانت تلك التي هزّت حي أناسي بالدار البيضاء، حيث أقدم عدد من السكان على الاعتداء على شاب مضطرب نفسيًا بعد أن تسبب في تكسير زجاج بعض السيارات، لينتهي المشهد بوفاته متأثرًا بجراحه، في مشهد مأساوي يعكس خطورة هذه السلوكات.

ومع ذلك، تجدر الإشادة بدور رجال الشرطة والقضاء، الذين سارعوا في هذه الواقعة للتدخل، وفتحوا تحقيقًا في القضية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في احترام تام للقانون ولحقوق جميع الأطراف. كما أن تدخل الأمن في توقيف عدد من المتورطين يؤكد أن المؤسسة الأمنية تؤدي دورها رغم التحديات، وأن القضاء بدوره لا يتوانى في التصدي لمثل هذه التجاوزات حين تُحال عليه ملفاتها.

القانون المغربي واضح في هذا الباب، إذ يجرّم كل صور العنف غير المشروع، سواء صدر عن أفراد أو جماعات، حتى لو ادعوا أنهم يدافعون عن أنفسهم أو ممتلكاتهم. فالفصل 124 من القانون الجنائي يُقيد الدفاع الشرعي بشروط صارمة، والفصل 403 يُعاقب على الضرب والجرح المؤديين إلى الوفاة، ولو في غياب نية القتل، بعقوبات ثقيلة تصل إلى السجن المؤبد. ورغم وجود هذا الإطار القانوني، فإن عدم الوعي به، أو ضعف الإلمام به في الأوساط الشعبية، يكرّس سلوكيات قائمة على الانفعال وردّ الفعل بدل الرجوع إلى مؤسسات الدولة المختصة.

الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة تتجاوز حدود الضحية والجاني، لتصيب المجتمع برمته. إذ تسهم في تعميم ثقافة الخوف والانتقام، وتزرع الشك في المؤسسات، وتُضعف منسوب التضامن والثقة بين الأفراد. كما أن لها تأثيرات نفسية عميقة على الضحايا وذويهم، وقد تترك ندوبًا طويلة الأمد حتى في نفوس شهود العيان، خصوصًا الأطفال واليافعين.

ومن هنا، فإن مواجهة ظاهرة “شرع اليد” تقتضي مقاربة متعددة الأبعاد، تتكامل فيها جهود القطاعات الحكومية والمؤسسات التشريعية والدينية والتربوية. فالإعلام يجب أن يتحمل مسؤوليته في توعية المواطن بخطورة هذه الممارسات، والمدرسة ينبغي أن تكرّس قيم القانون واحترام المؤسسات، والخطاب الديني مطالب بتعزيز مبادئ السلم الاجتماعي والتأكيد على حرمة النفس، والمجتمع المدني مدعو إلى لعب دور الوسيط والفاعل في مجتمعه، بدل ترك الأمور للانفلات والفوضى.

وفي النهاية، لا يمكن لمجتمع أن يتطور في ظل ثقافة العدالة الفوضوية، لأن “شرع اليد” ليس فقط اعتداءً على الأفراد، بل هو طعن في جوهر دولة القانون. والتحدي اليوم لا يكمن في توفير النصوص، بل في خلق انسجام مجتمعي يجعل الاحتكام إلى المؤسسات القانونية خيارًا أولًا وأخيرًا، دون أن يضطر أي فرد إلى أن يتحول إلى قاضٍ وجلاد في الوقت ذاته.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى