
السفير 24
شهدت الساحة المغربية مؤخرًا موجةً واسعة من الغضب والاستنكار الشعبي، عقب التصرفات التي أقدمت عليها ابتسام لشكر، الناشطة الحقوقية ومؤسسة حركة “مالي”، حيث نشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي محتوى اعتُبر مسيئًا للذات الإلهية، تضمن عبارات استفزازية تمس الدين الإسلامي بشكل مباشر. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من مختلف أطياف المجتمع المغربي، الذي يُعد الإسلام دينه الرسمي حسب ما ينص عليه الفصل الأول من الدستور المغربي.
ما قامت به لشكر تجاوز التعبير عن الرأي إلى التطاول على مقدسات الأمة، مما شكّل تهديدًا للسلم المجتمعي ومساسًا بالثوابت الوطنية.
تبرير ابتسام لشكر لما قامت به تحت ذريعة حرية التعبير، يطرح إشكالًا جوهريًا حول الحدود الفاصلة بين هذه الحرية وبين الاعتداء على القيم الدينية والمجتمعية. فلا يمكن في أي نظام قانوني ديمقراطي أن تُتخذ حرية التعبير ذريعة لسبّ الأديان أو النيل من الرموز الدينية التي تمثل مرجعية روحية وأخلاقية لشعوب بأكملها. المغرب، كدولة ذات سيادة، اختار الإسلام دينًا للدولة، وبالتالي فإن أي انتقاص من هذا الركن يُعد خرقًا للثوابت الدستورية التي لا يُسمح المساس بها. كما أن القوانين الوطنية واضحة وصارمة في هذا الجانب، حيث ينص القانون الجنائي المغربي في فصوله المتعلقة بحماية الدين الإسلامي على عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة لكل من يتطاول على الدين أو يزدريه أو يسخر من شعائره.
وقد جاءت الاستجابة المؤسساتية سريعة من قبل النيابة العامة، التي فتحت تحقيقًا فوريًا في الموضوع، وأمرت بوضع المعنية رهن الحراسة النظرية في انتظار استكمال البحث القضائي. هذا التحرك يعكس يقظة الدولة المغربية في التعاطي مع أي خرق من هذا النوع، خاصة عندما يمس التماسك الاجتماعي والوحدة الدينية للأمة. فالسلطة القضائية، ممثلة في النيابة العامة، قامت بدورها في صون هيبة القانون وتفعيل مقتضياته دون أي تهاون، ما يُعد رسالة واضحة بأن مثل هذه التصرفات لا يمكن التساهل معها تحت أي مبرر.
ما زاد الوضع توترًا هو تواطؤ بعض الأصوات التي ادعت أن ما قامت به لشكر يدخل ضمن حريتها الفردية، متناسية أن الحريات في أي مجتمع تُمارس ضمن ضوابط قانونية وأخلاقية، ولا يمكن استعمالها كسلاح ضد مقومات المجتمع وثقافته. فالدفاع عن مثل هذه التصرفات من قبل بعض الجهات الحقوقية والسياسية يعكس ازدواجية خطيرة في الخطاب، ويُضعف المصداقية الأخلاقية لمواقفهم، حيث يسود الاعتقاد أن هذه الأصوات لا تتحرك إلا حين تتعلق القضايا باتجاهات معينة، وتتغاضى تمامًا حين تمسّ الدين أو الرموز المقدسة. هذه الازدواجية تطرح تساؤلات حول المعايير التي تعتمدها بعض المنظمات والمؤسسات في تعاملها مع قضايا الحريات والحقوق.
ولا بد من الإشادة هنا بدور المجتمع المدني والمواطنين، الذين أبدوا حسًا وطنيًا عاليًا من خلال التبليغ عن المحتوى المسيء والتعبير عن رفضهم لما اعتبروه تطاولًا على معتقداتهم. كما أن التحركات القضائية يجب أن تُستكمل بتنزيل أقصى العقوبات المنصوص عليها في القانون بحق كل من يتجرأ على الإساءة للدين الإسلامي، ليس بدافع الانتقام، وإنما من أجل فرض هيبة القانون وحماية الأمن الروحي والثقافي للمجتمع المغربي.
هذا، وتبقى قضية ابتسام لشكر تمثل محطة فاصلة في النقاش الدائر حول حرية التعبير ومداها في ظل مجتمع له مرجعياته الدينية والدستورية. فلا أحد يختلف على ضرورة احترام الحريات العامة والفردية، ولكن هذه الحريات يجب ألا تتحول إلى أدوات لهدم القيم والمقدسات. ومن واجب الدولة، عبر مؤسساتها القضائية والتشريعية، أن تتعامل بكل حزم مع مثل هذه الانزلاقات، وأن تضع حدًا لأي استغلال مغرض لحرية التعبير. فقد أظهرت الدولة المغربية، من خلال سرعة تدخل النيابة العامة، أنها قادرة على فرض القانون متى تعلق الأمر بالثوابت، وعلى القضاء الآن أن يكمل هذه الرسالة بإنزال العقوبات التي يفرضها القانون، من أجل ضمان عدم تكرار مثل هذه الأفعال المسيئة للمقدسات الدينية التي تمثل وجدان الشعب المغربي وهويته.



