في الواجهةمجتمع

بنسليمان.. منطق القوة والجرافات للسلطة الإقليمية و المحلية !!

بنسليمان.. منطق القوة والجرافات للسلطة الإقليمية و المحلية !!

le patrice

السفير 24 – بقلم: ساجد المصطفى

تبعا لما نشر حول الاستياء العارم والسخط الكبير للباعة بمدينة بنسليمان الذين يتعرضون منذ الأيام الأخيرة الى حملة واسعة وشرسة يشنها رجال السلطة بمعية أعوانهم وأفراد من القوات العمومية، تم تسجيل مجموعة من الملاحظات تهم ممارسات وتدخلات تتخللها مجموعة من التجاوزات والخروقات مجسدة في استعمال الجرافات Trax لتخريب وتحطيم العربات التي يوظفها الباعة في عرض منتوجاتهم، كذلك مفاجأة الضحايا في عز الليل بهذه الحملة الشرسة لرجال السلطة بنوع من الحماس الزائد عن اللزوم و إتلاف السلع التي تعتبر المورد الوحيد لضمان عيش الفئات الهشة التي تجد في الاقتصاد الغير مهيكل وسيلة لتحقيق دخل يلبي قوتهم اليومية.

يحدث كل هذا أمام مشهد ومرأى ومسمع الفعاليات الحقوقية والسياسية، التي بالرجوع إلى أدبياتها وتاريخها، تجعل من التصدي للظلم والاستبداد رصيدا لها ومحركا أساسيا لها.

فالمفروض في هذه الفعاليات الحقوقية والسياسية الجادة والمنابر الصحافية والإعلامية تغطية هذه المذبحة التي لم تراع أدنى الشروط لعملية تحرير الممرات الرئيسية بحيث أنه إذا كانت مسألة تحرير الملك العمومي الحضري وتحرير أزقة وشوارع المدينة من الاحتلالات الدائمة أمر واجب، إلا أن طريقة التصرف ينبغي أن تراعي مورد عيش هؤلاء الباعة وأن يتم التفكير أولا في توفير البديل كالأسواق النموذجية ومنح المهلة الكافية بتنظيم أنفسهم.

أصبحنا أمام واقع مر و رهيب، وأن شعارات “التنمية المستدامة” و” الديمقراطية المحلية” و ” المنطق التشاركي” و “الحكامة الجيدة” و “السياسات العمومية المتشعبة”، التي ترتكز على إشراك جميع الفاعلين في اتخاذ القرارات، فلا وجود لها على أرض الواقع بحيث أن “سياسة القوة والغطرسة” و “منطق الجرافات” هي الممارسات السائدة حاليا وأن تدبير أمور البلاد والعباد تتكلف بها “السلطات الغير منتخبة” وذلك في تغييب تام للمجالس الجماعية وفعاليات المجتمع المدني و ممثلي المتضررين.

“فمنطق الجرافات” والتدبير الفج للسلطة الإقليمية والمحلية تتم تزكيته ومباركته من طرف فعاليات حقوقية وسياسية وجمعوية اختارت الصمت الرهيب ومواكبة إرادة فاعل سلطوي لا يراعي بتاتا ظروف عيش الفئات الهشة المتضررة وأن همه الوحيد هو تحقيق “تلميع حضاري” في أسرع وقت، علما أن البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول المتخلفة لها خصوصياتها التقليدية ولا يمكن مقارنتها مع بنية الدول المتقدمة. إن فئات عريضة من الباعة المتضررين استنكروا بقوة تعنت وجبروت رجال السلطة وأعوانهم الذين أوكلت لهم مهمة شن حملة واسعة “لتحرير الملك العمومي”، هذه الحملة الشرسة التي تحولت الى “كارثة اجتماعية” لقطع الأرزاق والتشريد والى تخريب ما يمتلكونه من عوامل إنتاج بسيطة تمكنهم من الحصول على قوتهم اليومي.

فتفشي وتنامي الاقتصاد الغير مهيكل، بالرجوع الى نسبة العاملين به، هي ظاهرة تفسر من جهة بعدم الاستثمار في القطاعات المنتجة التي تخلق فرص الشغل كالوحدات الصناعية، والتي لها ارتباط وثيق بالبحث العلمي و الابتكارات، وتشجيع بدلا من ذلك القطاعات الريعية التي تمكن ذوي النفوذ في هذه البلاد من الاغتناء الفاحش والسريع كاستثمارات الاقتراس العقاري واستغلال الاراضي المسترجعة الفلاحية و نهب ثروات المقالع بالجماعات القروية للإقليم…الخ. ومن جهة أخرى، غياب الرعاية الاجتماعية التي تحمي المواطنين من الأخطار الاجتماعية كخطر البطالة، وخطر المرض وخطر الشيخوخة…

فحتى في الدول المتقدمة، والتي يتم تصنيفها كدول رائدة في مجال للتنمية البشرية، تنظم أسواق خلال أيام كل أسبوع في ساعات محددة بساحات وأحياء المدن وبمراكز القرى، بحيث أن المجالس الجماعية Mairies هي التي تسهر على هذه الأسواق Marchés من حيث النظافة والتنظيم المحكم.

فلا يمكن تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في ظل استراتيجية مواكبة “سياسات عمومية” تطرز على مقاس ذوي النفوذ السياسي والاداري والاقتصادي وفي ظل زواج السلطة و الثروة.

فعلى الفعاليات السياسية والحقوقية أن تحرك آليات وأدوات الضغط والصراع عوض مواكبة منطق الجرافات والتدبير التسلطي للشأن العام، بحيث أن المقاربة الأمنية تضر بحقوق الإنسان وكرامته.

بحيث على فعاليات المجتمع المدني والحقل السياسي الجاد والملتزم أن تتحمل كافة مسؤولياتها اتجاه ما يقترف من تعسفات واضطهادات من طرف رجال السلطة والقوات العمومية وأن التهليل بالمقارنة الأمنية وتلميع صورة مرتكبيها هي أفعال لا تخدم المصلحة العامة ومصلحة المواطنين.
فالتنمية البشرية والحياة الكريمة ليسا مرتبطين بإرادة والى جهة أو عامل إقليم الذين لهم مهام محددة بصفتهم ذوي مسؤوليات بوزارة الداخلية، وأن التنمية الشاملة تتطلب ديمقراطية حقيقية ذات ارتباط بصناديق الاقتراع وبانتخابات نزيهة تعطي سلطة كاملة للمنتخبين.

جميع السياسات العمومية، في مجالات الصحة والتعليم والأمن والثقافة…، يجب أن يكون لها ارتباط بالانتخابات وبسيادة المواطنين وأن يتم تدبير هذه السياسات العمومية بمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء.

الغريب في الأمر أن شريحة من المحسوبين على الإعلام وفعاليات المجتمع المدني يراهنون على ترسيخ فكرة التنمية أنها مرتبطة بسلوك فردي ومزاجي بل أنها مرتبطة بدمقرطة النظام السياسي وكذا فصل السلطة عن الثروة وإقرار مبدأ فصل السلط ثم استقلالية ونزاهة القضاء ومنح الحكومة السلطة التنفيذية الكاملة حتى يمكن للمواطنين محاسبتها على مشروعها المجتمعي وبرنامجها الحكومي، وأن كل القطاعات بما فيها الخارجية والداخلية بأجهزتها الأمنية هي منبثقة عن إرادة المواطنين واختياراتهم، وتكرس مهمتها لخدمة قضايا المواطنين ولا وجود لسياسة عمومية لا تخضع للمحاسبة والمراقبة.

أضحت السلطات العمومية الغير منتخبة هي الفاعل الوحيد في الساحة المغربية في ظل تقاعس وخنوع وصمت الفاعلين المفروض فيهم أخذ المبادرة و لعب أدوارهم فيما يخص إنتاج وتتبع السياسات العمومية. غياب هذا الانخراط مرده إلى مجموعة من الآليات والعوامل والمؤثرات التي تفرغ هذا السلوك من نجاعته، حيث أن تدجين واستقطاب الفعاليات السياسية و النخب الثقافية وتنكرها لدورها الريادي الذي تخلت عنه، هي كلها عوامل أضرت بمصالح المواطنين وحقوقهم وعطلت وثيرة التغيير والتنمية.

فلا عدالة اجتماعية ولا تنمية بشرية دون تحقيق ديمقراطية سياسية حقيقية بحيث أن المواطن هو مصدر السلطة التي يفوضها لمن سيذبر الشأن العام والسياسات العمومية. الطامة الكبرى هي احتكار السلطة والثروة بيد الفئة الحاكمة التي تفرض قوانين وسياسات اقتصادية ومالية تخدم مصالحها واستمرارية نفوذها. جل المآسي، كالفوارق الاجتماعية والفقر وتشرد العائلات وتفاقم المشاكل الاجتماعية، تنجم عن الارتباط الوثيق بين السلطة والثروة وعن اقتصاد وطني مرتبط بنظام الامتيازات والمكافآت.

الثروات والخيرات لذوي النفوذ والمسؤوليات، الفقر والاضطهاد للمستضعفين والفئات الهشة والمعوزة.

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى