
السفير 24 – بقلم : ذ. محمد رياض
لكل مهنة من المهن قواعد وأخلاقيات تعتبر إطارا مرجعيا يُسترشد به في الممارسة المهنية وأساسا لما يجب أن يكون عليه سلوك المنتسب إليها. وتعتبر أخلاقيات مهنة التدريس موجها لسلوك المدرس ودليلا على انتمائه لمهنته، ولا بد من مراعاتها والالتزام بها لإنجاز المهام المنوطة بها وفق ضوابط تنظيمية وتربوية.
ومن مظاهر الالتزام الأخلاقي للمدرس واحترامه لأخلاقيات المهنة العناية بالهندام ، فهو ـ لا شك ـ مظهر دال على تقديره لمهنته التي ينتمي إليها. واعتبارا لكون التعليم رسالة حضارية ومهنة سامية، فإن هندام المدرس والمدرسة يجب أن يعكس جوهر هذه الرسالة وروح هذه المهنة لأن المدرس يقدم المثال والقدوة في الذوق والجمال، والمظهر جزء لا يتجزأ منهما، ولقد كانت المذكرة الوزارية 17ـ 093 الصادرة بتاريخ 18 يوليوز 2017 بشأن العناية بالهندام واضحة في تحديد أهمية المظهر وضرورة الاهتمام به فهو ” يعتبر عنصرا أساسيا من العناصر التي تساهم في تعزيز المكانة الاعتبارية لحاملي رسالة التربية والتكوين…وفيه كذلك تعبير عن مدى تقدير الموظف لمهنته واعتزازه بها، كما يجلب تقدير واحترام الآخرين، وتضيف المذكرة : ” ومما يزيد الهندام اللائق أهمية داخل فضاء المؤسسة التعليمية اعتبار الأطر الإدارية والتربوية قدوة يحتذى بها من طرف التلميذات والتلاميذ مما يحث على إعطائهم المثال الحسن في العناية بالمظهر”، وقد ورد في المأثور هذا القول المنسوب إلى الإمام الشافعي : ” ثيابك يرفعك قبل جلوسك، وعلمك يرفعك بعد جلوسك ” وهو قول يشير إلى أهمية المظهر الخارجي في تشكيل صورة أولية انطباعية عن صاحبه .
من المؤسف حقا أن صرنا نشهد بعض المدرسات والمدرسين يلجون فضاء المؤسسات التعليمية بمظاهر لا تليق بهويتهم المهنية وتفتقد إلى الذوق الجمالي فيضعون أنفسهم موضع التهكم والسخرية والامتعاض من طرف زملائهم وتلامذتهم وأولياء أمورهم، ويقدمون بذلك صورة سلبية عن رجال التعليم ونسائه. علما أن المدرس له وضع اعتباري علمي وثقافي يجب أن ينعكس على سلوكه ومظهره وصورته . ومن الواجب أن يكون المظهر العام للمدرس والمدرسة لائقا وفي أحسن صورة، ولذلك فهو يعتبر أحد عناصر تقويم أداء الموظف في مهنته، فالمظهر الخارجي إلى جانب سلطة المدرس المعرفية والتربوية تشكلان أهم عناصر قوة شخصيته ونجاحه المهني. واعتبارا لكون فضاء المؤسسة التعليمية له حرمته وقدسيته المستمدة من قداسة العلم والمعرفة، وبما أن الأمر كذلك، فلا بد من صيانة هذا الفضاء من كل مظاهر القبح والابتذال والاستهتار ومواجهة أي تطبيع معها داخل فضاءات المؤسسات التعليمية. لقد صار الحديث كثيرا عن جاذبية فضاء المؤسسة لما لذلك من أثر في العملية التربوية، إذ لا يختلف اثنان في كون الفضاء المدرسي جزء لا يتجزأ من العملية التربوية والتعليمية، ويعتبر مكونا من مكونات الفعل التربوي وله أثر بالغ على نفسية مرتاديه من تلامذة ومدرسين وإداريين وزوار، ووجب أن يكون جذابا بجماله وأناقة أجوائه ومرافقه وإنسانه، ويمثل الفاعلون داخله من مدرسين وإداريين وأعوان جزءا من تحقيق هذه الجاذبية.
كثير من المدرسات والمدرسين يخطئون حين يعتبرون أن الهندام والاهتمام بالمظهر الخارجي حرية فردية تدخل ضمن الأمور الشخصية ولا شأن للآخرين في الخوض فيها ولا أثر لذلك على مهنة التدريس ولا على العملية التربوية، وكأنهم لا يدركون أن أول ما يبدو من المدرس والمدرسة هو الشكل والمظهر الخارجي ولذلك أثره على المتعلمين والمتعلمات، فالمدرس يقف أمامهم وأعينهم شاخصة إليه تلاحظ وتدقق فيه وفي طريقة كلامه وحركاته وملامح وجهه ولباسه.. وهنا لابد أن نستحضر أنه يمثل قدوة للمتعلمين والمتعلمات في السلوك والذوق الفني والجمالي، بما أنه استشعار للجمال وإحساس به، ولباقة في التصرف والحديث، وهدوء واتزان، وأناقة وحسن مظهر. كثير منا نحن الكبار لا زالت صور مدرسين ومدرسات عالقة في الأذهان وهم يملكون حواسنا بأناقتهم وذوقهم الجمالي وجاذبيتهم المعرفية. فالذوق يعمل على ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما يعمل العقل كما يرى ذلك الأديب المصري أحمد أمين مضيفا أن ” الفرق بين إنسان رفيع وإنسان وضيع ليس فرقا في العقل وحده بل أكثر من ذلك فرق في الذوق” ويزيد على ذلك وهو يتحدث إلى ابنه في كتابه الشهير ( إلى ولدي ) قائلا : ” نظم ذوقك : استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك…
لقد جربت الناس فوجدتهم يخضعون للذوق أكثر مما يخضعون للمنطق، فبالذوق لا بالعقل تستطيع أن تستميلهم، وأن تأسرهم، وأن توجههم، وأن تصلحهم إن شئت “. والمدرس يمتلك هذه الخاصية في استمالة تلامذته وتوجيههم متى كان يجمع إلى جانب أناقة الفكر متجسدة في معرفته وأدواته البيداغوجية والتواصلية، أناقة المظهر والذوق.
إن المجتمع ـ على خلاف مهن أخرى ـ لا يسمح للمدرس أن ينسلخ عن هويته المهنية بما هي مجموعة من الخصائص والسمات والقيم والمعايير التي تميز جماعة سوسيومهنية عن أخرى، وهي تتطلب من المنتسب إليها التمظهر وفق شروط تتناسب ومتطلبات المهنة في سلوكه وأفعاله.
إن الهوية المهنية كما يرى ذلك عالم الاجتماع رونو سانسليو لها سمات وبصمات البعد الثقافي بمعنى أننا أمام مجتمع مؤسسة بحيث يكون الفاعل ( المدرس ) ملتزما بقواعد وضوابط هذا المجتمع أي أن سلوكاته تعكس امتثاله للقيم والمعايير المنتجة جماعيا عبر التفاعل اليومي بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين.
وبالتالي نحن أمام مؤسسة اجتماعية تساهم في التنشئة الاجتماعية لأفرادها وهذه هي خصوصية هذه المهنة ، حيث يعتبر الخروج عن قيمها سلوكا غير مناسب للنسق العام، والمظهر الخارجي من لباقة واتزان، وهيئة وهندام ببعده الرمزي والدلالي.. هو ـ بهذا المعنى ـ جزء من النسق الرمزي للجماعة السوسيومهنية المنتجة له، ويمتد ذلك إلى المحيط الاجتماعي الذي يتواجد فيه.
من المؤسف أن المنظومة التعليمية لا زالت تفتقد إلى الاهتمام بإنماء الكفايات الفنية الجمالية سواء في برامج تكوين المدرسين ومختلف الفاعلين التربويين أو في المناهج التعليمية، وهي كفايات ممتدة لها أهميتها في الارتقاء بالتفكير والوعي بالجمال وإدراك معاييره .إن حاجة الإنسان / المتعلم ماسة ، كما يذهب إلى ذلك العديد ممن اشتغل على موضوع العلاقة بين التربية والفن وتكوين الإنسان ومنهم جون ديوي، إلى تنشئة اجتماعية تقوم على تنمية الإحساس الجمالي وتربية الذوق الفني وتقود إلى نمو سليم للفرد يكون له الأثر الإيجابي في سلوكه ونشاطه المهني والاجتماعي داخل مختلف الفضاءات الاجتماعية المشتركة.
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي *



