
* أحمد لعيوني
وقعت معاهدة الحماية بتاريخ 30 مارس 1912 ، تحت ضغوط داخلية وخارجية بين السلطان مولاي عبد الحفيظ وفرنسا بواسطة عبد القادر غبريط، وهو مترجم، ودبلوماسي من أصول جزائرية، اشتغل بإخلاص ووفاء لفرنسا. كان موظفا ساميا بالسفارة الفرنسية بطنجة لمدة تزيد عن العشرين سنة تحت رئاسة السفير الفرنسي سانت أولير. ومن بين شروط هذه المعاهدة تنفيذ مجموعة من الإصلاحات (إدارية وعدلية وتعليمية واقتصادية ومالية وعسكرية) كان المغرب في حاجة ماسة إليها لتغيير وضع البلاد والخروج مما كان يسمى المغرب العتيق أو التقليدي إلى المغرب الحديث du Maroc traditionnel au Maroc moderne .
ومن جهة أخرى يتعهد السلطان بمساعدة دولة الحماية على بسط نفوذها على كافة التراب المغربي (باتفاق مع اسبانيا في الجزء الشمالي) وتأمين حدوده، وتأييد العمليات العسكرية التي تراها ضرورية لتحقيق الأمن والاستقرار بإخضاع القبائل المتمردة في إطار ما سمي بعملية التهدئة (pacification)، مع ضمان وصيانة ثوابت الدولة المغربية الدينية واللغوية باعتبارها أمة واحدة.
إلا أن أول إخلال بمفهوم هذه المعاهدة برز بشكل صارخ بصدور الظهير البربري بتاريخ 16 ماي 1930، سنوات قليلة مباشرة بعد مغادرة أول مقيم عام المارشال هربرت ليوطي، وأيضا تولي جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف عرش والده وهو لا يزال في ريعان شبابه، وتم التغرير به ودفعه لتوقيع الظهير البربري المشئوم، أو القضية البربرية بعد تدويلها وتعاطف البلدان العربية والإسلامية معها.
وهذا الحدث سيكون بداية انطلاقة لظهور بوادر الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار بعد القضاء على المقاومة المسلحة التي كانت تخوضها القبائل. وذلك بعد أن كان مجال الهيمنة ينحصر في الميادين الاقتصادية، بخلق اقتصاد عصري يسيره الأوربيون والضرب بقوة في أعماق الاقتصاد المحلي المبني على الصناعة التقليدية والحرف اليدوية، والاستيلاء على الأراضي الفلاحية من طرف المعمرين الأوربيين وعلى رأسهم الفرنسيون بمنحهم امتيازات من تسهيلات بامتلاك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، واستفادتهم من القروض الطويلة الأمد لمدة قد تصل إلى 99 سنة، بفوائد رمزية، مع سن قوانين تعطي الامتياز لهؤلاء المعمرين تحت ذرائع التحديث الزراعي، مع أنه لم يقابلها أدنى شيء للمغاربة.
مع مطلع ثلاثينيات القرن الماضي ظهرت بوادر الوعي السياسي الوطني، انطلاقا من حدث الظهير البربري، الذي أيقظ الشعور الوطني لدى النخبة المغربية بالمنطقة الفرنسية، وتضامن معهم إخوانهم بالمنطقة الإسبانية بالشمال. وبعد إفشال مشروع التفرقة الاستعماري، تلته محطات أخرى بالالتحام حول العرش.
ففي سنة 1933 (يوم 18 نوفمبر) نظم مجموعة من الوطنيين لأول مرة في تاريخ المغرب الاحتفال بجلوس السلطان على عرش أسلافه. مما دفع بسلطة الحماية إلى الاعتراف بضرورة تخليد الحدث، وأصبح يكتسي صبغة رسمية منذ 1934 بعد التنصيص عليه بالجريدة الرسمية.
ثم جاءت انتفاضة بوفكران ضواحي مكناس شهر سبتمبر 1937، وتضامنت معها جل الحواضر المغربية بقيادة رجال الحركة الوطنية، هذه الانتفاضة التي أطلق شرارتها تحويل ماء وادي بوفكران لسقي ضيعات المعمرين وحرمان السكان الأهالي منها. فكانت انتفاضة شعبية تضامنت معها كل القوى الحية بالوطن سواء بالمنطقة الفرنسية أو الإسبانية بالشمال.
تلتها محطة الإعلان عن وثيقة المطالبة بالاستقلال لـ11 يناير 1944وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي شارك فيها ما يزيد عن 200.000 من المتطوعين المغاربة مباشرة، زيادة على الاستنزاف الاقتصادي لثروات البلاد للمساهمة في تمويل الحرب، وتموين الجنود، إلا أن الدولة الفرنسية تخلفت عن الوفاء بالتزامها لسلطان البلاد بإجراء اصطلاحات اقتصادية وسياسية بعد الحرب بمنح سلطات واسعة للنخبة المغربية في تسيير أمورها، وتكوين الأطر الإدارية العليا تهيئا لتحقيق الاستقلال الحقيقي.
محطة أخرى ذات أهمية بالغة في تاريخ الكفاح الوطني، وتتمثل في الرحلة الملكية إلى طنجة الدولية التي حدد لها يوم 9 أبريل 1947، لكن طغاة الاستعمار، ومدبري المكائد، وبتخطيط من فيليب بونيفاص اختلقوا المناورات الاستفزازية وقاموا بتنفيذ مذبحة بالدار البيضاء بأحياء بن امسيك، سميت ضربة ساليغان، لتنفيذها من قبل عناصر الفيلق السنغالي التابع للقوات الفرنسية بالمغرب، قتل فيها ما يربو على ألفي شخص من الأهالي العزل، وذلك يوم 7 ابريل، في محاولة لثني السلطان عن القيام بالرحلة، التي تخوفت السلطات الاستعمارية مما يمكن أن تؤدي إليه بفضح سياستها القمعية المتغطرسة أمام المنتظم الدولي، لكن سيدي محمد سافر إلى طنجة في اليوم الموعود رغم كل ما حدث، وألقى خطابه التاريخي الذي زعزع أركان المستعمر، معلنا من خلاله إرادة المغرب في الاستقلال، ومحددا سياسته الخارجية.
ومع ذلك فإن مناورات ودسائس الاستعمار استمرت في التزايد لخلق العراقيل وإشعال نيران الفتنة، ففي شهر ديسمبر 1952 اغتيل الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد بالدار البيضاء قرب مقر حاكم الجهة، وذلك حينما كان في زيارة للالتقاء بزعماء الحركة الوطنية وممثلي القوات العمالية بالمغرب.
وعلى اثر هذا الحدث يرى المؤرخ الفرنسي دانيال ريفي، الأستاذ الجامعي الفرنسي، صاحب كتاب “تاريخ المغرب من مولاي إدريس إلى محمد السادس” ترجمة المهندس أحمد بن الصديق، بأن عملية النفي والترحيل بدأ التحضير لها منذ سنة 1947 من طرف الجنرال جوان ومساعديه فيليب بونيفاص ومارسيل فالا مدير الشؤون الداخلية. وكانت مقدمات العاصفة بامتناع فرنسا عن الاعتراف بالحريات الأساسية، وخاصة الشرط المتعلق بالإصلاحات السياسية التي تطالب بها النخبة الوطنية بقيادة جلالة السلطان، حيث تبين ذلك من خلال خطاب المقيم العام الجنرال جوان في أكاديمية العلوم الاستعمارية في باريس بتاريخ 18 نوفمبر 1949 الذي تحدث فيه عن السعي لإدخال مفهوم السيادة المشتركة بين المغرب وفرنسا على المغرب، مخالفا بذلك منطوق معاهدة الحماية. فقد عمل على إنشاء مجالس بلدية منتخبة في المدن يتمتع فيها ممثلو المستوطنين الفرنسيين بالأغلبية المطلقة رغم قلة عددهم بالنسبة للسكان المحليين، وأنشأ مجلسا للوزراء تابع للإقامة العامة، مع منح مديري الإدارات العمومية سلطات واسعة (إدارة شبيهة بالوزارات).
كانت هذه القرارات الكبرى للمخطط الاستعماري المبيت الذي يسعى إلى القضاء على مبادئ المعاهدة، مما دفع بالسلطان إلى الدخول في إضراب عن توقيع الظهائر التي تشتمل على الإصلاحات ولا يوافق عليها كي يجبر أن تفرض عليه خلسة ولا يكون مجبرا على تمريرها.
ففي شهر فبراير 1951 كاد السلطان أن يخلع من فوق عرشه تحت الضغط بتوقيع العرائض من طرف القبائل والذين كان أغلبهم لا يعرفون القراءة، وحشد الخيالة البربر الذين تم تجنيدهم بإيعاز من باشا مراكش التهامي الكلاوي الذي كان يتصرف كأنه نائب السلطان، وتوجيههم إلى الرباط وفاس تحت ذرائع متباينة ، إما للتطعيم ضد داء السل، أو المشاركة في احتفال كبير، أو الظفر بكمية من السكر. هذه التعبئة سهرت عليها الإقامة العامة بمكر ودهاء، ووصفها الجنرال جوان دون حياء بأنها حركة عفوية قامت بها جميع القبائل المغربية للتعبير عن وجهة نظر الشعب المغربي. وقد أحيط قصر السلطان في الرباط، ودار الأمير مولاي الحسن بالسويسي بالقوات المسلحة بالدبابات والمدافع، وأدعى الجنرال لتبرير حملته بأن ما فعله هو لحماية السكان مما سماه ثورة البربر. وقام الجنرال بحل وزارة السلطان الخاصة، وعزل كبار موظفي القصر الذين يتعاطفون مع الحركة الوطنية.
وفي هذا الجو المتوتر، بعث الجنرال جوان إلى سيدي محمد رسالة خيره فيها بين القبول بتوقيع قرارات الحماية أو خسارة العرش. وبعد مراجعة السلطان لمستشاريه من الحركة الوطنية في الأمر وتفاديه لإراقة الدماء في الرباط وفاس الذين أشاروا عليه بالتسليم.
وأمام هذه الاستفزازات والضغوط رضخ السلطان سيدي محمد لشروط الجنرال بالتوقيع على الظهائر المفروضة.
وقد كتب روم لاندو (تاريخ المغرب في القرن العشرين) بأنه كان هناك عدد صغير من أبناء البلاد الذين انتفعوا مباشرة بالاحتلال الفرنسي وشكلوا جيشا من المخبرين يتكون من القياد ورؤساء الطرق الدينية والمرتزقة والمجرمين، ويعتمدون على السلطات الاستعمارية للدفاع عن حياتهم وأموالهم. ولما أصبح سيدي محمد مناوئا لسلطة الاحتلال، ومن خلال تحالفه مع القوى الوطنية وعلى رأسها زعماء حزب الاستقلال بمختلف أطيافهم من محافظين وتقدميين، بدأ المستعمر محاولة إزاحته والاستعاضة عنه برجل صوري يطبق تعالمه وإملاءاته.
لقد خطى كل من الباشا التهامي الكلاوي وشيخ الطريقة الصوفية عبد الحي الكتاني خطوة جبارة في خدمة مصلحة المستعمر بالتحالف مع الإقامة العامة، وتهيئة الطريق لأحداث غشت 1953. كان الكتاني يعبئ الطرق الدينية.
أما الباشا الكلاوي فقام بحملة بين القبائل والعناصر الثائرة زمن السيبة، وأعد عريضة تطالب بتنحية سيدي محمد بن يوسف عن العرش وتعيين سلطان محله يسير على نحو توجهه. هذه العريضة لم يوافق عليها أكبر الباشوات مثل باشا فاس والدار البيضاء والرباط وصفرو وخريبكة، ونشروا بيانا مضادا على اعتبار أن الباشوات والقياد هم موظفون مدنيون يعينهم السلطان ولا يجوز لهم أن يوجهوا له اللوم. بينما وقعها إلى جانب الكلاوي أتباعه وهم 270 باشا وقائدا يطلبون من الحكومة الفرنسية خلع السلطان. وهؤلاء هم موظفون من اختيار الإدارة الفرنسية.
أما العلماء وعددهم 317 فقد استنكروا العريضة بقوة، واتخذوا موقفا إلى جانب السلطان سيدي محمد بن يوسف.
ولا يفوتنا التذكير بالعديد من الشخصيات الفرنسية ذات العيار الثقيل من المفكرين والسياسيين الذين أدانوا خطة الحكومة الفرنسية والإقامة العامة بالمغرب الهادفة إلى إحداث انقلاب على السلطان الشرعي، منهم الوزير الاشتراكي فرانسوا ميتران الذي قدم استقالته من الحكومة، وفرانسوا مورياك عضو الأكاديمية الفرنسية، وجورج دوهاميل الأديب المعروف، والجنرال كاترو، وشارل أندري جوليان الكاتب والمؤرخ وأستاذ بالسوربون، وغيرهم ممن وقفوا إلى جانب الشرعية ومطالب النخبة الوطنية المغربية.
الطريق نحو الاستقلال
يذهب الأستاذ امحمد جبرون من خلال كتابه “تاريخ المغرب المعاصر” إلى أنه مع حلول سنة 1951 تأسست العديد من منظمات المقاومة المسلحة بالدار البيضاء تحت إشراف حزب الاستقلال، وبعض التنظيمات السياسية الأخرى. بدأت بوضع ملصقات على الجدران تدعو لمناهضة المستعمر ومقاطعة السلع الفرنسية. وقد سبقها وجود خلايا كتلك التي حاول بعض أفرادها اغتيال الشيخ الطرقي عبد الحي الكتاني أثناء عودته من فرنسا سنة 1948 لوقوفه إلى جانب المستعمر ضد حزب الاستقلال والسلطان سيدي محمد.
ومع اشتداد الأزمة المغربية وتفشي المؤامرة الاستعمارية التي كانت تستهدف سيدي محمد بن يوسف، والتحضير لتنصيب سلطان بديل ينفذ مخططاتها التي رفض السلطان توقيعها، قامت المقاومة المغربية في 11 غشت 1953 بمحاولة نسف حفل تسمية بن عرفة أميرا للمؤمنين في مسجد الكتبية بمراكش، كما خططت لاغتياله في فاس في الشهر نفسه، وأيضا محاولة اغتيال الباشا التهامي الكلاوي في 16 غشت 1953.
بعد نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف وعائلته إلى جزيرة كورسيكا بالجنوب الفرنسي، ثم نقله إلى المستعمرة الفرنسية جزيرة مدغشقر بالجنوب الشرقي للقارة الإفريقية لإبعاده عن التواصل المحتمل مع رجال الحركة الوطنية، آنذاك برزت إلى الوجود العديد من منظمات المقاومة المسلحة، وخصوصا بالدار البيضاء، وتفرعت عنها تنظيمات بمختلف ربوع البلاد، منها منظمة اليد السوداء، كانت تستهدف المتعاونين مع المستعمر ومصالح المعمرين، وأيضا للفت انتباه الرأي العام المحلي والدولي إلى الجرائم والقمع المسلط على الشعب المغربي من طرف القوات الاستعمارية، ودفع المستعمر إلى مراجعة سياسته، ومنح المغرب استقلاله، وعودة الملك الشرعي إلى عرش أسلافه.
ومن أبرز العمليات الفدائية تلك التي نفذها الشهيد علال بن عبد الله يوم الجمعة 11 سبتمبر 1953 والتي استهدفت ابن عرفة أثناء توجه موكبه إلى صلاة الجمعة مستعملا السلاح الأبيض حيث أسقطه عن فرسه أرضا وألحق به جروحا، وقتل علال برصاص الحراس. كما نفذت عملية بمراكش بمسجد بريمة يوم الجمعة 5 مارس 1954 أصيب على إثرها باشا مراكش التهامي الكلاوي وابن عرفة بجروح.
وتابعت العمليات الفدائية استهداف رموز المعمرين وأقطابهم وكبار ممثلي الاحتلال وفي مقدمتهم المقيم العام الجنرال كيوم أثناء زيارته لمراكش يوم 25 ماي 1954، والجنرال حاكم مراكش يوم 20 يونيو 1954، وكان المسؤول عن هذه المحاولات الشهيد حمان الفطواكي وجماعته. كما استهدفت المقاومة حاكم مدينة الدار البيضاء والشاوية فيليب بونيفاص يوم 10 مارس 1955.
إلا أن المقاومة المسلحة عرفت بعض الانزلاقات بخروج البعض عن توجيهات زعماء وقيادة الحركة الوطنية. ففي الوقت الذي كانت تجري فيه محادثات إكس ليبان شرق فرنسا، وتعرف تقدما إيجابيا نحو حل الأزمة المغربية، قامت عدة انتفاضات عفوية، منها انتفاضة واد زم يوم 20 غشت 1955 حيث استشهد خلالها حوالي 700 فرد من السكان المحليين، وسقط أزيد من 60 عنصرا من الفرنسيين بالإضافة إلى الجنرال دوفال الذي لقي مصرعه بعد سقوط الطائرة العسكرية التي كان يمتطيها قرب مدينة خنيفرة عندما كان قادما من القاعدة العسكرية بمكناس متوجها إلى ميدان المعركة. وعجلت هذه الأحداث بالدخول في المفاوضات بين رجال الحركة الوطنية والحكومة الفرنسية لعودة السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى أرض الوطن وتحقيق الاستقلال.



