* بقلم: يسين العمري
توطئة لا بدّ منها:
أودّ أن أشير بادئ ذي بدء إلى أنّ المقال إلى أنّ رأي الدين الإسلامي واضح، حيث يقول الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز في سورة النساء الآية 29: “ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بهم رحيماً”، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث متفق عليه: “من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأُ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً”. وفلسفة تحريم الانتحار أنّ الله وحده هو من وهب الإنسان الحياة، وبالتالي هو الوحيد الأحق باسترداد تلك الأمانة التي وهبها لعبده متى وأين شاء.
بعد تقديم رأي الدين الذي يجعل من الانتحار فعلا محرّماً، أنتقل لأتناول الانتحار كظاهرة من وجهة نظر علم الاجتماع وعلم النفس.
أولا تعني الظاهرة شيئاً حقيقياً أو حدثاً يتمّ استيعابه وإدراكه، وهي دليل على شيء ظاهر وحقيقة مُدرَكَة، وفي علم الاجتماع، تعتبر الظاهرة قاعدة اجتماعية فردية وخارجية تؤثّر في حياة الأفراد وفي التنمية، وهي في تطوّر مستمرّ مع تقدّم عمر الإنسان، والظاهرة بمفهومها الاجتماعي عند إيميل دوركايم رائد علم الاجتماع واسعة ومعقّدة للغاية، وتُبْتَكَر من خلال المجتمع.
والانتحار كما يعرفه دوركايم هو جميع حالات الوفاة المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن فعل إيجابي أو سلبي، من قبل الضحية الذي يعرف مسبقاً أنها سوف تؤدّي إلى تلك النتيجة وهي وفاته.
أمّا التعريف البديهي للانتحار فهو وضع حدّ لحياة الفرد بيده هو سواء بإطلاق الرصاص على نفسه أو شرب سمّ أو شنق نفسه بحبل أو ألقى بنفسه من مكان مرتفع أو الامتناع عن الأكل والشرب وغيرها من الوسائل التي يمكن أن يستعملها المنتحر ليضع حدّاً لحياته.
بالنسبة للشق الاجتماعي، فلعلّ أبرز من يمكنني الاستدلال به هو عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم مؤسس علم الاجتماع، فهو اهتمّ بتوضيح التباين في معدّلات الانتحار، بمعنى كان منشغلاً بسبب وجود شريحة معيّنة من الأفراد لها معدّل انتحار أعلى من الأخرى، وانطلاقاً من هذا المعطى افترض دوركايم وجود أسباب بيولوجية، وأخرى نفسية اجتماعية ثابتة لا تتأثّر بتغيير المجموعة ولا الزمن، إذ فالثابت هنا في ظاهرة الانتحار هو الأسباب، أمّا المتغيّر بالنسبة لدوركايم فهو الاختلاف في معدّلات الانتحار من مجموعة لأخرى أو من وقت لآخر، وذلك يعود لاختلاف العوامل الاجتماعية، وتحديداً التيارات الاجتماعية.
وقد قسم دوركايم الانتحار من منظور سوسيولوجي إلى 4 أقسم:
1- انتحار أناني: يقع عندما يكون الاندماج في المجتمع ضعيفاً أو معدوماً، نتيجة للفردانية المفرطة وضعف الضمير الجمعي، حيث يصبح الفرد مفصولاً عن الأعضاء الآخرين للجماعة.
2- انتحار إيثاري: ويكون ذلك في المجتمعات ذات التكامل العالي، حيث يتم النظر للحاجيات الفردية على أنها أقلّ أهمية من الاحتياجات الجماعية، وكما يرى دوركايم في هذا النوع من الانتحار لا يوجد مبرّر للانتحار غير توق الفرد لقتل نفسه نيابة عن المجتمع، ويعتبر دوركايم أنّ التيارات الاجتماعية السوداوية هي سبب من أسباب معدلات هذا النوع من الانتحار.
3- الانتحار اللا معياري: يقع عندما يضطرب ضوابط المجتمع، وترتفع معدلات هذا النوع من الانتحار إذا كانت طبيعة الاضطراب سلبية كالكساد الاقتصادي أو إيجابية كالانتعاش الاقتصادي، ممّا يؤدّي إلى الإحساس بنوع من انعدام المعايير وانعدام الجذور (الرفاهية المطلقة أو بالعكس الحرمان المطلق).
4- الانتحار القدري: ويظهر في المجتمعات القمعية أكثر من اللازم، حيث يفضل المنتحر وضع حدّ لحياته عوض البقاء حيا في مجتمعه ذلك.
وللإشارة فالأنواع الأربعة تجمع ما بين التنظيم الاجتماعي والتنظيم الأخلاقي حسب دوركايم دائماً، إذ بانتفاء هذين البعدين تكثر مؤشرات وحالات الانتحار، وإذا كان هذا هو الانتحار من وجهة نظر اجتماعية مختصر بالطبع، فماذا عن وجهة نظر علم النفس؟
شغلت ظاهرة الانتحار المنظرين في علم النفس كونه يمثل مشكلة نفسية ذلك أن ظاهرة الانتحار شهدت انتشارا واسعا على المستوى العالمي حتى أن المنظمة العالمية للصحة خصصت اليوم العاشر من شتنبر، من كل عام كيوم عالمي للانتحار حيث سجل متوسط حالات الانتحار بمعدل 300 حالة في اليوم.
أما عن أسباب الانتحار فقد أخذتها كما هي من المجلة العربية للطب النفسي وهي كالتالي:
1- إن الانتحار من الناحية النفسية يعد شخصية المنتحر شخصية منسحبة لا تستطيع التعامل مع المشاكل الصعبة والانتحار حسب الطب النفسي هو الفعل المتعمد لقتل النفس لاسباب كثيرة كالهروب من مرض عضال أو الفقر المدقع أو العار المشين أو الحب المرفوض أو هروب من منازعات عائلية أو فقدان ثروة كما أن الجهد المضني والأعمال الشاقة قد تدفع الإنسان إلى الانتحار.
2- ويتراوح الانتحار بين التفكير العابر او الدائم او التهديد بالانتحار للفت الانتباه والتنفيذ الفعلي كما ان هناك الانتحار البطيء كرفض الطعام او الادمان على المخدرات والقيادة المتهورة للسيارات.
3- إن عنصر الكآبة هو الأوفر حظاً في السيطرة على مشاعر من لديه قابلية للانتحار كذلك مشاعر اليأس لها دور كبير في التمهيد للانتحار.
4- إن تكرار محاولات الانتحار أو التفكير في الانتحار هي أسباب قوية لتنفيذ هذا الانتحار فيما بعد.
5- إن الإدمان على الكحول والمخدرات قد يكون أحد الأسباب المؤدية للانتحار.
6- المعتقد الديني حول الانتحار له دور أساسي في قبول فكرة الانتحار، فعند جهل الإنسان بأن الانتحار محرّم قد يستسهل هذه العملية. وقد يعتبر البعض أن الانتحار هو قرار نبيل للدفاع عن
أخطاء أو خسارات كبيرة لا يتحملها العقل.
7- قد ينتحر الشخص لافتقاد حياته الدافعية والمعنى فيكسر نمط حياته بالانتحار وقد يتعرض الشخص لضغوط انفعالية فيتصرف بطيش لا يقصد منه الانتحار فعلا وقد يكون الانتحار من باب التقليد والمحاكاة كوجود جسر مشهور بألقاء المنتحرين لانفسهم منه فيقلد من سبقه او قد يكون الانتحار جماعي .والرسائل التي يتركها المنتحرون تؤكد شعورهم بالوحدة والانهيار النفسي والمعاناة لفقد عزيز او المعاناة الصحية او الخوف من المستقبل وتقل حالات الانتحار في ازمات الحروب والكوارث والزلازل.
8- بعض الشعوب لديها رمزية خاصة للانتحار كما هو عند اليابانيين، وحوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان، و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية أو الجنسية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية أو تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ، وعند الدول الاسكندنافية فأغلب دوافع الانتحار بيئية ترجع إلى غياب الشمس عنهم لأوقات طويلة، مقابل حلول الظلام.
9- الانتحار ظاهرة إنسانية عامة شاعت في بلدان الحضارية الصناعية والرقي المادي وتعقيد الحياة فالأكثر إقبالا على الانتحار الذين تزودوا بالعلوم التقنية، وتفككت علاقاتهم وأقلهم من تزودوا بما يصلح الروح ويهذب النفس ويزيد الإيمان، وأعلى نسب الانتحار في أوربا وأمريكا واليابان، وأقلها في البلدان الإسلامية، ويقل الانتحار عند أهل البادية، ويندر أن ينتحر الأطفال دون سن العاشرة، لأن الطفل لا يعرف حقيقة الموت، وغالبا ما يكون الانتحار عند المراهق بسبب الاكتئاب لظروف في البيت والمدرسة وتكثر نسبة رغبة البنات على الأولاد في الانتحار ولكن الأولاد يفوقون البنات في النجاح بالانتحار وبالوسائل العنيفة.
10- أما الأطفال فتساورهم رغبة الانتحار لأسباب تبدو واهية ولكنه يقدم عليه كعقاب ينزله بنفسه لاستدرار عطف الآخرين عن طريق فعل خطير وممنوع أو لرغبة في داخله للقتل فيقتل نفسه كتعويض لهذه الرغبة أو لفقدانه أحد الوالدين.
11- الوحدة النفسية فهناك ما يسمى بالانتحار النفسي وهو انتحار غير صريح. والسلوك الانتحاري قد يكون للشعور بالوحدة والفراغ النفسي ويزيد الإقبال على الانتحار بزيادة السن، وعند المشحونين بالكراهية والعدوان، فيزيحها من الناس نحو نفسه، أو المرضى بذهان الاكتئاب أو الانفصام أو اضطرابات الشخصية فيستجيب المريض لهلوسة تأمره بقتل نفسه.
12- ويوجد للانتحار أسباب عضوية منها الوراثة أو نقص السيروتونين (هرمون السعادة) الذي يسبب الاكتئاب ويؤثر على الذاكرة سلبا.
أما نظرية فرويد في التحليل النفسي فأسباب الانتحار نفسية وهي مشاعر حب تتحول بسبب الإحباط إلى كراهية تنصرف عن المحبوب نحو شخص المحب ولكي يدمر المحبوب لا بد أن يدمر نفسه، ويفترض فرويد أن التكوين النفسي يتضمن غريزتين متصارعتين هما غريزة الموت والتدمير وهي مصدر السلوك العدواني وغرزة الحياة مصدر الفعل الخلاق والسلوك البناء ويرى فرويد ان غريزة الموت هي الغالبة بفضل ما تولده من ميول سادومازوشية فترتد الكراهية والعدوان نحو الذات.
أما المجتمعات الحديثة فيعد الانتحار فعل لا أخلاقي يجرمه القانون وتحرمه الأديان السماوية والطب العقلي في بداياته يرى أن سبب الانتحار هو مرض عقلي وهذيان بسبب اضطرابات عصابية وذهانية والسوداوية والفصام وإدمان الكحول دون النظر إلى علاقة الإنسان بالمجتمع والبيئة بادئ الأمر ولكن في القرن العشرين تغير الموقف من الانتحار باعتباره مرض إلى الانتحار باعتباره انحرافات نفسية.
وكخاتمة، بعد أن حاولت الانفتاح على هذه الظاهرة من وجهة نظر علم الاجتماع وعلم النفس، يمكن القول أنه في تقديري كلما كان الفرد أو الأسرة أو المجتمع أكثر تديّناً وقرباً إلى الله في أقواله وأفعاله، كلما كان توازنه النفسي جيداً، وفي الطب النفسي أو لنقل الصحة النفسية يعتبر التديّن من عوامل التوازن، وبالتالي من شأنه الحدّ من الأفكار الانتحارية.
دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني*



