كلمة السفيرفي الواجهة

حموشي.. حين تتحول القيادة الأمنية إلى سند إنساني ويصبح الاهتمام برجال الأمن جزءا من معركة حماية الوطن

حموشي.. حين تتحول القيادة الأمنية إلى سند إنساني ويصبح الاهتمام برجال الأمن جزءا من معركة حماية الوطن

السفير 24 – بقلم: حسن راقي، مدير النشر

ليست القيادة الأمنية مجرد مسؤولية إدارية تقاس بحجم القرارات المتخذة أو عدد العمليات المنجزة، وليست قوة المؤسسة في صرامة تدبيرها وحسب، بل إن جزءا أساسيا من قوتها يكمن في قدرتها على احتضان نسائها ورجالها، والوقوف إلى جانبهم في اللحظات الصعبة، واستشعار حجم التضحيات التي يقدمونها يوميا وهم يؤدون واجبهم في حماية الوطن وصون أمن المواطنين.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الزيارة التفقدية التي قام بها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، صباح الأربعاء 4 نونبر الجاري، إلى مدينة أكادير، للاطمئنان على الحالة الصحية لضابط الأمن الذي تعرض لعملية دهس متعمدة، باعتبارها مجرد زيارة بروتوكولية لمسؤول أمني إلى أحد موظفيه بالمستشفى، بل تحمل في أبعادها الإنسانية والمهنية رسائل عميقة تتجاوز حدود الاطمئنان على الوضع الصحي لموظف مصاب.

فحين يقرر المسؤول الأول عن جهاز الأمن الوطني الانتقال شخصيا إلى المستشفى لزيارة شرطي يرقد على سرير العلاج، بعدما تعرض لإصابات وكسور بليغة أثناء مزاولته لمهامه، فإن ذلك يحمل رسالة واضحة إلى جميع نساء ورجال الأمن الوطني مفادها أن تضحياتهم ليست منسية، وأن المؤسسة التي ينتمون إليها لا تتخلى عنهم عندما يجدون أنفسهم في مواجهة الخطر، بل تظل إلى جانبهم في المحن قبل أن تكون إلى جانبهم في لحظات النجاح والإنجاز.

ولعل ما يميز هذه المبادرة هو بعدها النفسي والمعنوي؛ فالشرطي الذي يتعرض لاعتداء خطير أثناء أداء واجبه لا يحتاج إلى العلاج الطبي وحده، وإنما يحتاج أيضا إلى الإحساس بأن تضحياته مقدرة، وأن ما قدمه من أجل حماية المواطنين محل اعتراف واهتمام من أعلى هرم المسؤولية داخل المؤسسة الأمنية. وهنا تحديدا تتجلى أهمية الحضور الشخصي للمسؤول، لأن الكلمة الطيبة، والزيارة الصادقة، والاطمئنان المباشر، قد تكون لها آثار معنوية عميقة في نفسية الموظف المصاب، كما تمنح زملاءه شعورا بالثقة والاطمئنان.

إن رجال ونساء الأمن الوطني يشتغلون في ظروف ليست دائما سهلة، ويواجهون يوميا مواقف تتطلب منهم ضبط النفس، والتحلي باليقظة والشجاعة، والتدخل في ظروف قد تعرض سلامتهم الجسدية للخطر. ولذلك، فإن توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره امتيازا، بل باعتباره أحد مقومات بناء مؤسسة أمنية قوية، متماسكة وقادرة على مواصلة أداء رسالتها النبيلة.

وفي السياق ذاته، فإن ما قام به عبد اللطيف حموشي تجاه ضابط الأمن المصاب لم يقتصر على الزيارة والاطمئنان، بل سبقته إجراءات عملية ذات دلالة مؤسساتية وإنسانية، من بينها إقرار ترقية استثنائية لفائدة الموظف المعني، والتكفل بجميع نفقات العلاج والاستشفاء التي تستدعيها حالته الصحية، فضلا عن إيفاد لجنة أمنية مشتركة للوقوف على وضعه الصحي وتقديم أشكال الدعم والمواكبة اللازمة.

وهذه التدابير تجعل من الواقعة مناسبة للتأكيد على أن الاعتراف بالتضحيات لا ينبغي أن يظل حبيس عبارات الإشادة والتقدير، بل يتعين أن يترجم إلى قرارات ملموسة، تحفظ كرامة الموظف الأمني وتمنحه الإحساس بالأمان الوظيفي والاجتماعي. فالترقية الاستثنائية، في هذه الحالة، ليست مجرد إجراء إداري، وإنما تحمل أيضا قيمة رمزية ومعنوية، باعتبارها اعترافا مؤسساتيا بما أبداه الموظف من حس مهني وتفان في أداء الواجب.

وإذا كان رجل الأمن مطالبا بأن يكون في الصفوف الأمامية لحماية المواطنين، فإن المؤسسة مطالبة بدورها بأن تكون في الصفوف الأمامية لحماية موظفيها، ليس فقط من المخاطر المهنية، وإنما أيضا من الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تترتب عن الإصابات والاعتداءات التي يتعرضون لها أثناء أداء مهامهم.

ومن هنا، تبرز أهمية المقاربة التي يحرص عبد اللطيف حموشي على تكريسها في تدبير الموارد البشرية الأمنية، والتي تجمع بين الحزم في المسؤولية والاهتمام بالبعد الإنساني، وبين تطوير القدرات المهنية وتعزيز الشعور بالانتماء إلى مؤسسة تجعل من التضحية والانضباط وخدمة الصالح العام ركائز أساسية في عملها.

إن رجل الأمن حين يشعر بأن قيادته تقف إلى جانبه، وتتابع أوضاعه، وتقدر تضحياته، يكون أكثر اطمئنانا وثقة في أداء رسالته. وهذه الثقة ليست مسألة شخصية أو عاطفية فحسب، بل هي رصيد مؤسساتي ينعكس على مستوى الالتزام والانضباط والجاهزية، ويعزز الروح الجماعية داخل الجهاز الأمني.

ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من زيارة أكادير هي أن شعار “الشرطة في خدمة المواطن” لا ينبغي أن يظل مجرد عبارة تختزل فلسفة العمل الأمني، بل يجب أن يظل حاضرا في الممارسة اليومية، باعتباره التزاما متبادلا؛ فكما يضع الشرطي نفسه في خدمة أمن المواطنين وسلامتهم، فإن المؤسسة الأمنية مطالبة بأن تجعل كرامة موظفيها وسلامتهم والاعتناء بهم في صلب أولوياتها.

إن حماية الوطن ليست مهمة تختزل في التدخلات الأمنية والعمليات الميدانية وحدها، وإنما هي منظومة متكاملة قوامها الإنسان، سواء تعلق الأمر بالمواطن الذي يبحث عن الأمن والطمأنينة، أو برجل الأمن الذي يسهر على توفيرهما. ومن دون الاهتمام بهذا العنصر البشري، يصعب الحديث عن مؤسسة قادرة على مواجهة التحديات المتجددة والاستجابة لانتظارات المجتمع.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات تكمن في الرسالة التي تصل إلى كل موظف أمني في مختلف ربوع المملكة: أنت لست وحدك في مواجهة المخاطر، وتضحياتك تجد من يقدرها، والمؤسسة التي تحمل شارتها لا تنسى أبناءها عندما يحتاجون إليها.

وهذا هو المعنى الحقيقي للقيادة التي لا تكتفي بإعطاء التعليمات من المكاتب، بل تحرص على الحضور الميداني والإنساني، وتدرك أن بناء مؤسسة قوية يبدأ من الاعتناء بالإنسان الذي يشكل عمادها.

إن عبد اللطيف حموشي، من خلال هذه المبادرة وما رافقها من قرارات داعمة للشرطي المصاب، يبعث برسالة تقدير إلى نساء ورجال الأمن الوطني، مفادها أن التضحية من أجل الوطن تستحق الاعتراف، وأن الوفاء للمؤسسة لا ينفصل عن وفاء المؤسسة لأبنائها.

فحين يشعر رجل الأمن بأن ظهره مسنود، وأن كرامته مصونة وتضحياته مقدرة، يصبح أكثر قدرة على مواصلة رسالته بثبات وعزيمة. وحين تكون القيادة قريبة من موظفيها في لحظات المحنة، فإنها لا ترفع معنويات فرد واحد فحسب، بل تعزز روح مؤسسة بأكملها، شعارها الدائم: الشرطة في خدمة المواطن، وأمن الوطن مسؤولية لا تقبل التراجع.

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى