
السفير 24 – نورالدين زاوش
بعدما وضعت الانتخابات “اللعينة” أوزارها، وبعدما انتهت مشاهد الشد والجذب بين مدعٍّ يدعي أنه حامي الملة والدين، وأن العقيدة لديه أهم من اللحم والدجاج مجتمعين، وبين مدعٍّ يدَّعي الحداثة والعصرنة والقطع مع ثقافة الإبل والنوق والبيداء؛ رجع الجميع يُقَبِّلون بعضهم بعضا تحت قبة البرلمان وكأن لا شيء قد وقع، معلنين بذلك أن المسرحية قد انتهت فصولها، والحيلة قد اكتملت أركانها، وأن منطق المصالح عاد إلى السكة من جديد، وعاد الشعب بدوره إلى حيرته الأبدية، وهو يرى ولي الله السيد “الآزمي” بمعية البطل المغوار “بوانو” وهما يقبلان السيد “عبد اللطيف وهبي” من وجنتيه، قبلة الحبيب لحبيبه، ويعانقاه عناق اللهفان إلى معشوقه، بعدما كانا يصفانه في حمى الانتخابات بأنه عدوُّ الله وملائكته وجبرائيل وميكائيل.
بدورنا نعود، بعدما هدأت العواصف وسكنت العواطف، لمناقشة الإسلام السياسي الرديء الذي يمثله حزب “العدالة والتنمية”، لنؤكد ما كتبناه منذ عشرين سنة، بأن أكبر خطيئة سقط فيها الحزب “الإسلامي” أنه اقتحم المجال السياسي بلا رؤية شرعية واضحة، أو مبادئ أخلاقية ثابتة، أو أسس دينية مستقاة من كتاب الله وسنة نبيه؛ وهذا ما يتبين جليا عند كل منعطف حاسم؛ حيث يكون إفراز الموقف فيه لا يخضع لضوابط الشرع الحنيف؛ بل إلى قواعد السياسة الرعناء التي لا تؤمن بدين ولا بشرع ولا بوحي، وللأسف الشديد، فكل ذلك يمر على حين غفلة من المؤمنين الذين ينشدون تطبيق أحكام الشريعة، والذين ينصرون هذا الحزب على هذا الأساس.
إن الاصطفاف المتسرع لحزب العدالة والتنمية مع المعارضة هو موقف قد يبدو عبقريا من الناحية السياسية؛ لأنه، في نظره، يهدف إلى إحراز نقاط ثمينة تمكنه من أن يتسيد المشهد في انتخابات 2031م؛ خصوصا وأن نجم المعارضة لا يحتاج إلى إنجازات كي يسطع، يحتاج فقط إلى الصراخ والعويل، وتشويه الخصم، واتهامه، وتسفيهه، وتبخيس إنجازاته، وهو الشيء الذي تتقنه الحركة الإسلامية وتبرع فيه إلى حد الإبهار؛ إلا أن قرار الانزواء في المعارضة من الناحية الشرعية خطيئة عظيمة، وخيانة لله ورسوله وعموم المواطنين الذين ينشدون الإصلاح.
إن الحملة التي تزعمها ذو المعاشين، ارتكزت بالأساس على تخويف الشعب من أن تكون الحكومة المقبلة في أيدي من هي في أياديهم اليوم، واعتمدت على إقناع المواطنين من أن الأمر لو حدث، لا قدر الله، فسيكون شرع الله في خطر داهم، وتكون الأسرة المغربية في مهب الريح. إذا فترضنا أن ما ذهب إليه ذو الوجهان صحيح، وأن دين الله في خطر مع وجود هؤلاء الحداثيين على رأس الحكومة، ألم يكن حريا بالمصلحين الذين بنوا مشروعهم الفكري والسياسي على قوله تعالى: “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله”، أن يتواجدوا معهم في الحكومة جنبا إلى جنب، فيكفوا أيديهم عن العبث بدين الله، ويضيقوا عليهم منافذ الشر والظلم والإفساد قدر ما يستطيعون، خصوصا إذا كان هؤلاء “المفسدين” سَيُحْدِثون ضررا لا يمكن جبره، ويُوقعون فسادا لا يمكن إصلاحه؟
ألم يكن حريا بالحزب “الإسلامي” أن يلتزم، على الأقل، بميثاق حركة التوحيد والإصلاح الذي جعل على رأس أولوياته “العمل مع الغير من أجل الخير”، أياًّ كان هذا الغير، إسلاميا أم حداثيا، متدينا ومتشبثا بهويته، أم متفسخا مشبعا بثقافة الانفتاح، عادلا ونزيها، أم ظالما وذو نيات سيئة؟
في الانتخابات التشريعية بتاريخ 14 نونبر 1997م، تحصل حزب العدالة والتنمية، وكان يسمى أنذاك حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، على 9 مقاعد، وعرض حينها السيد “عبد الرحمان اليوسفي”، رحمه الله، منصب كاتب دولة على الحزب، وهو ما تلقاه السيد بنكيران بالترحيب والتهليل وقاتل من أجل قبول العرض حتى آخر رمق، مبررا موقفه بأنه وأصحابه “الأطهار” لا يريدون من السياسة سوى تحقيق المقاصد الشرعية، أي جلب المصالح ودرأ المفاسد قدر المستطاع، فما الذي تغير من يومها إلى الآن حتى تختفي هذه المقاصد النبيلة، وتحل بدلا منها قواعد السياسة لعنها الله؟
كل ما تغير هو أن حزب العدالة والتنمية لم يعد حزب مؤسسات؛ بل عاد حزب “بنكيران” وحده لا شريك له، يحركه بعكازه مثلما يحرك حاوي الأفاعي ثعبان “الكوبرا” بمزماره؛ وإذْ إنّ هذا الأخير لم يعد منصب كاتب عام في الوزارة، أو حتى منصب وزير يَستهويه، أو يُغريه، أو يروي نهم روحه التواقة للسلطة؛ فإن لا شيء يشفي غليل السيد “بنكيران” غير كرسي رئيس الحكومة، ولتذهب المقاصد الشرعية إلى الجحيم.
كاتب إقليمي سابق لحزب العدالة والتنمية*



