
السفير 24
في خطوة تحمل أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي، يحل العاهل الإسباني فيليبي السادس، مرفوقا بعقيلته الملكة ليتيزيا، بمدينة سبتة المحتلة، ضمن زيارة رسمية تتضمن سلسلة من المحطات الميدانية واللقاءات المؤسساتية، في سياق يعيد قضية الثغور المغربية المحتلة إلى واجهة النقاش بشأن مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد.
ووفق البرنامج الذي كشف عنه الناطق الرسمي باسم حكومة سبتة المحتلة، أليخاندرو راميريز، تنطلق الزيارة باستقبال رسمي في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا، يشمل محيط قصر الجمعية وشارع العميد سانشيز برادو وساحة غران بيا وساحة إفريقيا، حيث ينتظر أن يلتقي الملكان المواطنين المحتشدين لاستقبالهما. كما تقرر نصب شاشة عملاقة بساحة إفريقيا لنقل بعض الأنشطة الرسمية التي ستجرى داخل المؤسسات المحلية.
ولا تقتصر الزيارة على الاستقبال الرسمي، إذ يتضمن برنامجها المسائي التوجه، في حدود الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة، إلى المدرسة العمومية “فيسينتي أليكساندر” بمنطقة مانثانيرا، قبل الانتقال عند السادسة مساء إلى المقبرة الإسلامية بسيدي امبارك، للمشاركة في فعالية تذكارية مرتبطة بأحداث 30 و31 يوليوز الماضي.
وتختتم الجولة، بحسب البرنامج المعلن، بلقاء مع ممثلين عن المجتمع المدني داخل فندق بارادور، ابتداء من الساعة السابعة مساء، في إطار سلسلة من اللقاءات التي تروم إبراز الحضور الملكي الإسباني داخل المدينة.
وبموازاة هذه المحطات، أعلنت السلطات المحلية عن ترتيبات تنظيمية وأمنية واسعة، تشمل إغلاق مواقف السيارات بمحيط غران بيا أمام المركبات الوافدة من التاسعة صباحا إلى الثالثة بعد الزوال، ونقل محطة سيارات الأجرة، مع دعوة السكان إلى الحد من استخدام السيارات الخاصة، فضلا عن إمكانية إقرار مجانية حافلات النقل العمومي.
كما جرى تسخير مختلف المصالح الإدارية والخدماتية والأمنية، بما فيها الشرطة المحلية وفرق الحماية المدنية والوقاية المدنية وأطقم النظافة والبيئة، لتأمين الفضاءات التي ستحتضن أنشطة الزيارة وضمان السير العادي لمختلف مراحلها.
غير أن هذه التعبئة الرسمية لا تنفصل عن الإشكال السياسي والتاريخي الذي تمثله سبتة بالنسبة إلى المغرب، الذي يعتبر المدينة جزءا من ترابه الوطني، ويتمسك بموقفه بشأن الثغرين المحتلين، سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية. ومن هذا المنظور، تكتسب الزيارات الملكية الإسبانية إلى المنطقة دلالات تتجاوز مضمونها الإداري، لتلامس قضية السيادة والوحدة الترابية.
وتعيد هذه الزيارة إلى الأذهان محطة نونبر 2007، حين أثارت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية توترا دبلوماسيا بين الرباط ومدريد، انتهى باستدعاء المغرب سفيره في إسبانيا للتشاور. وهو ما يجعل التحركات الرسمية المماثلة محط اهتمام خاص، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على العلاقات الثنائية.
وفي الوقت الذي تجمع فيه البلدين مصالح استراتيجية في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب وتدبير الهجرة والتبادل الاقتصادي، يظل ملف الثغرين المحتلين أحد أبرز القضايا الخلافية التي تحتاج إلى معالجة سياسية مسؤولة، قائمة على الحوار وتدبير الاختلاف بعيدا عن الخطوات التي قد تُفهم باعتبارها تكريسا للأمر الواقع.
وبين البرنامج الملكي المعلن والرمزية السياسية للمكان، تظل الرسالة الأساسية من المنظور المغربي أن الزيارات الرسمية، مهما اتسعت تغطيتها الإعلامية أو تعددت مظاهر الاحتفاء بها، لا تحسم الخلاف التاريخي بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، ولا تلغي استمرار المطالبة المغربية باستكمال وحدته الترابية.
فالقضايا المرتبطة بالسيادة لا تحسم بالمراسم والاستقبالات، بل تظل رهينة التاريخ والمواقف السياسية والحوار بين الدول، بما يضمن احترام المصالح المتبادلة ويبقي الملفات العالقة ضمن أفق الحلول السلمية.


