في الواجهةكتاب السفير

مبادرة “غرين بويز” درب السلطان الإنسانية!

مبادرة "غرين بويز" درب السلطان الإنسانية!

السفير 24 – اسماعيل الحلوتي

      على إثر رحلة العلاج الشاقة من سرطان اللوزة اليمنى الذي ألم بي في سن 73 من العمر، قام فصيل الـ”غرين بويز” بمنطقة درب السلطان بمبادرة إنسانية طيبة، تتمثل في زيارة مفاجئة لي عصر يوم السبت 10 أكتوبر 2026، حيث امتلأ الحي عن آخره بأعداد غفيرة من الشباب يرتدون جميعهم أقمصة خضراء، رافعين شعارات نادي الرجاء البيضاوي وهم يرددون أمام بيتي بصوت واحد مرفوق بتصفيقات متناغمة “با إسماعيل الله يشافيك” “با إسماعيل الله يشافيك” تحت أنظار السكان الذين تأثروا كثيرا بذلك المشهد الممتع سواء من خلال التتبع عبر النوافذ، أو الخروج لاستقبالهم كما فعلت شخصيا…

      وهي الالتفاتة الكريمة التي بقدر ما منحتني دعما معنويا وأدخلت البهجة والسرور على قلبي وأفراد عائلتي، بقدر ما خلفت آثارا عميقة في نفسي، لما تضمنته من معاني الفخر والتآزر والاعتراف بالجميل لشخص أفنى زهرة عمره في البذل والعطاء، وقدم الكثير من التضحيات الجسام في سبيل تربية وتعليم أبناء الشعب خلف أسوار المدرسة العمومية، دون أن يبخل يوما على ابنه “حاتم الحلوتي” وعدد آخر من أنصار ناديه الرياضي المفضل بالنصائح القيمة، ولا يتوقف عن حثهم على نبذ العنف والشغب داخل الملاعب الرياضية وخارجها، ولزوم التحلي بالقيم الفاضلة والروح الرياضية العالية، باعتبار الرياضة قيمة تربوية وأخلاقية وتنافس شريف، تساهم في تهذيب النفس وبناء الشخصية المتكاملة، قبل أن تكون تسابق نحو الفوز بالألقاب.

      من هنا ومن خلال زيارة المجاملة هذه لألتراس “غرين بويز” درب السلطان لأحد محبي القلعة الخضراء من رجال التعليم المتقاعدين، يتضح جيدا أن هذه الفئة من الجمهور الرياضي المغربي العريض، ليست بتلك الصورة البشعة والدموية التي يرسمها لها الكثيرون، وإنما هي مجموعة للتشجيع في حاجة إلى الرعاية والاحتضان مثلها مثل باقي المجموعات التابعة للأندية الرياضية الأخرى في المدن المغربية.

      فهذه المجموعات المناصرة لفرقها الرياضية نشأت في بداية الأمر لهدف واحد هو التشجيع المستمر والمتواصل دون كلل ولا ملل بدافع الحب الرياضي، لذلك ظلت دائما تقدم التضحيات تلو التضحيات، ومناصرة أنديتها الرياضية أينما حلت وارتحلت، يجمع بينها لون النادي والوفاء لشعاره واحترام المواثيق الأخلاقية، مما يدفعهم إلى تحفيز اللاعبين وتشجيعهم بأرقى الشعارات والأناشيد للرفع من معنوياتهم وبث روح الحماس في نفوسهم، بعيدا عن تلك الأساليب الجارحة والمثبطة للعزائم، قبل أن تتسرب إليها بعض العناصر من الخارجين على القانون، الذين ليس لهم من دافع عدا إثارة العنف وممارسة الشغب، بافتعال المعارك الدموية والاعتداء على المواطنين وسلب أموالهم وتخريب الممتلكات العامة والخاصة.

      وبما أن الشباب هم حاضر الأمة ومستقبلها، باعتبارهم ركيزتها الأساسية وعمودها الفقري، وبفضلهم يمكن أن تنهض المجتمعات أو تتراجع، لما يمثلونه من قوة فاعلة وحيوية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. ولولا ما لهذه الفئة من أدوار طلائعية، ما كان لجلالة الملك محمد السادس أن يدعو في خطبه السامية إلى ضرورة العناية بالشباب وإيلائهم ما يستحقونه من بالغ الأهمية. وقد دعا في خطابه الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية للبرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية، وشدد على توفير الظروف الكفيلة بتمكينهم من الارتقاء الاجتماعي وتعزيز ثقتهم في مؤسسات وطنهم، من أجل المساهمة الفاعلة في بناء مستقبل يقوم على الحرية والكرامة والاستقرار، وتجاوز تلك النظرة الضيقة، باعتماد مقاربة تشمل التعليم والتكوين والتأهيل والإدماج الاقتصادي، مع الحرص على المساواة وتكافؤ الفرص …

      فلا يعقل أن نظل مكتوفي الأيدي أمام ما يتعرض إليه أبناؤنا ممن يزج بهم في السجون ظلما وبهتانا بتهم ملفقة في إطار تصفية الحسابات وتبادل الاتهامات بين المجموعات، ناهيكم عن وجود مندسين لا يعملون سوى على ترويج المخدرات بمختلف أنواعها وإشعال نيران الفتنة، والتحريض على العنف والشغب، غير عابئين بما يخلفونه من جرح عميق ليس فقط بالنسبة لضحاياهم، بل كذلك لأسرهم التي تنضاف إليها أعباء التنقل للسجون من أجل زيارة أبنائها، بعد أن كانوا يمنون النفس برؤيتهم في أحسن المراكز والمناصب بعد حصولهم على شهادات جامعية أو استكمال دراساتهم العليا في المعاهد والكليات…

      إن ال”غرين بويز” درب السلطان ليس فقط فصيل مساند لنادي الرجاء البيضاوي مثل باقي الفصائل المساندة لها وباقي الأندية الرياضية الأخرى في مختلف المدن المغربية، بل هي ثروة بشرية هائلة كما سبق لنا أن رددنا في عدة مناسبات، مما يستدعي الانكباب الجاد على حسن استثمارها في الاتجاه الصحيح من قبل مدبري الشأن العام، والقائمين على الشأن الكروي ببلادنا، من خلال التأطير الجيد حتى تكون هذه الفئة قادرة على المساهمة بفعالية في الرفع من مستوى الفرجة وتطوير كرة القدم الوطنية، خاصة أن بلادنا مقبلة على احتضان بطولة كأس العالم 2030 في ملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

     إنني إذ أتقدم بجزيل الشكر لكل من ساهم في تلك الالتفاتة الإنسانية النبيلة، من خلال زيارتي في مثل هذه الظروف الصحية الصعبة، فإنني أدعو نادي الرجاء البيضاوي إلى تقديم ما يلزم من دعم مادي ومعنوي للمسؤولين على الإلتراس، حتى يمكنهم القيام بدورهم في تطهير المجموعات من الدخلاء، والسهر على تأطيرها وتوجيهها نحو احترام حقوق الآخرين والتمسك بالأخلاق الفاضلة والروح الرياضية العالية.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى