
السفير 24
دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز مرحلة جديدة بعد نشره في الجريدة الرسمية، منهياً بذلك مساراً تشريعياً طبعته خلافات حادة بين الحكومة وهيئات المحامين، وتخللته واحدة من أطول فترات التوقف عن العمل التي عرفتها المهنة، انعكست بشكل مباشر على السير العادي للجلسات وعلى حق عدد من المتقاضين في الاستفادة من الدفاع.
ولم يكن وصول النص إلى الجريدة الرسمية نهاية لمسار عادي، إذ سبقه نقاش واسع حول عدد من مقتضياته، خاصة تلك المرتبطة باستقلال المحامي وضمانات ممارسة الدفاع، وشروط الولوج إلى المهنة، وطبيعة الرقابة المفروضة على بعض الجوانب المالية والمهنية، فضلاً عن حدود تدخل النيابة العامة في شؤون الهيئات المهنية.
ومن أكثر المواد التي أثارت تحفظات المحامين تلك التي تنظم ما يمكن أن يترتب عن سلوك المحامي داخل قاعة المحكمة. فالمادة 78 تمنح المحكمة إمكانية تحرير محضر مستقل بشأن ما قد يصدر عن المحامي من سب أو قذف أو إهانة، أو عن أي سلوك يمكن اعتباره إخلالاً بنظام الجلسة، قبل إحالة المحضر على النقيب والوكيل العام للملك. ويرى الرافضون لهذا المقتضى أن اتساع مفهوم الإخلال بنظام الجلسة قد يفتح الباب أمام تأويلات مختلفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطريقة ممارسة المحامي لمهمته في الدفاع وإثارته للدفوع القانونية.
كما شكلت المادة 79 نقطة خلاف أخرى، بالنظر إلى ما تتضمنه من مقتضيات تسمح بتفتيش مكتب المحامي من طرف النيابة العامة أو قاضي التحقيق. ويتركز الاعتراض أساساً حول الضمانات المرتبطة بحضور النقيب أثناء عملية التفتيش، باعتبار أن مكتب المحامي لا يرتبط فقط بممارسته المهنية، وإنما يحتفظ كذلك بمعطيات ووثائق تخص موكليه، ما يجعل حماية السر المهني إحدى القضايا الأساسية في هذا النقاش.
وامتد الجدل إلى الجانب المالي للمهنة، ولا سيما المادة 76 المتعلقة بحساب ودائع وأداءات المحامين، التي أخضعت هذا الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. ويعتبر منتقدو المقتضى أن الأموال الموجودة في هذا الحساب لا تكتسي بالضرورة طبيعة الأموال العمومية، باعتبار أنها ترتبط في جانب منها بمستحقات وحقوق تعود إلى موكلي المحامين وإلى المهنيين أنفسهم، وبالتالي يطرحون تساؤلات حول مدى انسجام هذه الرقابة مع الاختصاصات الدستورية للمجلس الأعلى للحسابات.
وفي الجانب المتعلق بتدبير الهيئات المهنية، أثارت شروط الترشح لعضوية مجالس الهيئات بدورها تحفظات واسعة. فقد اعتُبرت بعض القيود الواردة في المادتين 131 و132، ولا سيما ما يتعلق بوضعية النقباء السابقين وإمكانية الترشح، محل إشكال من زاوية تكافؤ الفرص والمساواة بين المهنيين. كما أثار توسيع إمكانية طعن النيابة العامة في بعض القرارات الصادرة عن الهيئات المهنية نقاشاً حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها الرقابة المؤسساتية حتى لا تتحول إلى مساس بمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة.
ومن بين أوجه الجدل التي رافقت النص أيضاً ما اعتبره منتقدوه تناقضاً بين الإعلان عن المحاماة باعتبارها مهنة حرة ومستقلة وبين بعض شروط الولوج إليها. فالقانون يضع سناً أقصى للترشح، إلى جانب اشتراط مستوى دراسي معين، وهو ما اعتبره معارضون للمقتضيات الجديدة غير منسجم مع طبيعة مهنة يفترض أن يكون معيار الولوج إليها مرتبطاً أساساً بالكفاءة والتكوين والخبرة. كما أثارت شروط الولوج نقاشاً حول وضعية بعض الفئات المهنية، في مقابل استفادة فئات أخرى من إمكانية الانتقال إلى ممارسة المحاماة وفق شروط محددة.
ولم يقتصر الاعتراض على مضمون المواد، بل امتد إلى الطريقة التي مر بها النص داخل المسار التشريعي. فقد سبق أن صادق المجلس الحكومي على نسخة من المشروع في يناير 2026، قبل إدخال تعديلات خلال مرحلة لاحقة من النقاش مع ممثلي هيئات المحامين، الأمر الذي دفع معارضين إلى التساؤل حول مدى احترام المساطر الدستورية المتعلقة بإعادة عرض النص على المجلس الحكومي بعد إدخال تعديلات جوهرية عليه.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى الخلفية التفاوضية التي سبقت المشروع الحالي. فقد شهدت السنوات الماضية جولات متعددة من الحوار بين الحكومة وممثلي المحامين، خصوصاً منذ سنة 2019، انتهت، بحسب مهنيين، إلى تفاهمات بشأن عدد كبير من مواد المشروع، قبل أن تعود الخلافات إلى الواجهة مع تقديم صيغ جديدة اعتبرها المحامون ابتعاداً عن التوافقات السابقة.
وقد بلغ التوتر ذروته مع قرار هيئات المحامين الدخول في إضراب مفتوح عن العمل، وهو ما أثر بصورة غير مسبوقة على عدد من المحاكم، وأدى إلى تأجيل جلسات وتعطيل مجموعة من الإجراءات، كما انعكس على وضعية متقاضين ومتّهمين وجد بعضهم أنفسهم أمام صعوبات في الاستفادة من خدمات الدفاع.
وزاد قرار المحكمة الدستورية من تعقيد المشهد، بعدما أعلنت تعذر البت في مدى مطابقة القانون للدستور لعدم توصلها بالنص في صيغته النهائية، وهو ما أبقى الملف مفتوحاً أمام مزيد من الجدل المؤسساتي والمهني خلال مرحلة كانت فيها المواجهة بين الحكومة وهيئات المحامين قد بلغت مستويات متقدمة.
ومع نشر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية، يكون النص قد تجاوز محطة تشريعية حاسمة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء النقاش حوله. فالملاحظ أن الخلاف لم يكن مرتبطاً فقط بتفاصيل تقنية تخص تنظيم المهنة، وإنما اتصل بأسئلة أوسع تتعلق باستقلال المحاماة، وحدود الرقابة على الهيئات المهنية، وحماية السر المهني، وضمانات ممارسة حق الدفاع، فضلاً عن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع الدولة بالمهن القانونية والقضائية المنظمة ذاتياً.
وبذلك، يجد قانون مهنة المحاماة نفسه أمام مرحلة جديدة سيكون اختبارها الحقيقي في كيفية تنزيل مقتضياته على أرض الواقع، ومدى قدرة مختلف المتدخلين على تحقيق التوازن بين ضرورة تنظيم المهنة وتحديث قواعد ممارستها من جهة، والحفاظ على استقلال المحامي وضمانات الدفاع من جهة أخرى، في وقت لا تزال فيه آثار الخلاف الذي رافق ولادة النص حاضرة بقوة في المشهد المهني والقضائي.



