
السفير 24
بدا واضحا أن حزب الاستقلال شرع مبكرا في ترتيب أوراقه استعدادا للاستحقاقات التشريعية والجماعية المقبلة، واضعا الشباب في صدارة رهاناته السياسية والتنظيمية. ففي لقاء احتضنته الرباط، خصص لاستقبال الفوج الثاني من المنخرطين الجدد بالأكاديمية الاستقلالية للشباب، وجه الأمين العام للحزب، نزار بركة، سلسلة من الرسائل السياسية والتنظيمية، اعتبر فيها أن التغيير لا يمكن أن يتحقق خارج المؤسسات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في انخراط الكفاءات الشابة في العمل الحزبي وصناعة القرار.
اللقاء، الذي نظم تحت شعار “الكفاءات الشابة.. تعاقد جديد من أجل صناعة التغيير”، عرف حضور نعيمة بن يحيى، عضو اللجنة التنفيذية للحزب ووزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، ويوسف أخلو، منسق الأكاديمية الاستقلالية للشباب، إلى جانب مئات المنخرطين الجدد القادمين من مختلف جهات المملكة.
وفي خطاب حمل أبعادا تتجاوز الطابع التنظيمي، اعتبر بركة أن جزءا من الأزمة التي تعيشها الحياة السياسية يرتبط بتنامي الخطابات التي تدعو إلى العزوف عن المشاركة، مشددا على أن انتقاد المؤسسات أو الأحزاب من خارجها لا يفضي إلى أي تغيير فعلي. وأضاف أن التاريخ السياسي للمغرب يثبت أن الإصلاحات الكبرى كانت دائما ثمرة عمل سياسي ومؤسساتي، وأن العديد من الكفاءات الوطنية ساهمت في بناء الدولة الحديثة من داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وقال الأمين العام لحزب الاستقلال إن الشباب مطالبون اليوم بالانتقال من موقع المتلقي أو المعلق إلى موقع الفاعل، معتبرا أن السياسة ليست جزءا من الأزمة كما يروج البعض، وإنما تظل الوسيلة الأساسية لإنتاج الحلول وصياغة السياسات العمومية والاستجابة لتطلعات المواطنين.
ولم يخف بركة أن الحزب يعول على الأجيال الجديدة في المرحلة المقبلة، داعيا المنخرطين الجدد إلى تقديم مبادرات عملية وأفكار مبتكرة تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية التي يشهدها المغرب، وتسهم في تعزيز التنمية وخلق فرص الشغل وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، فضلا عن تقوية الروابط مع مغاربة العالم.
وفي سياق حديثه عن هوية الحزب، استعاد بركة المسار التاريخي لحزب الاستقلال، معتبرا أن الانتماء إليه يعني الارتباط بإرث وطني ساهم في معركة التحرير وبناء الدولة المغربية الحديثة، لكنه شدد في المقابل على أن هذا الإرث لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع للمستقبل يقوم على تجديد النخب والانفتاح على الكفاءات الشابة.
وفي هذا الإطار، أعاد التذكير بإطلاق ميثاق 11 يناير للشباب، الذي قدمه الحزب باعتباره وثيقة مرجعية لتجديد العلاقة مع الأجيال الصاعدة، وفضاء لتلقي مقترحاتها وإشراكها في بلورة التصورات والبرامج السياسية، مؤكدا أن الحزب يسعى إلى جعل الشباب طرفا أساسيا في صناعة القرار الحزبي وليس مجرد قاعدة انتخابية.
كما أعلن قرب انعقاد المؤتمر الرابع عشر لمنظمة الشبيبة الاستقلالية، معتبرا أن هذه المحطة ستشكل مناسبة لإفراز قيادات جديدة وتعزيز حضور الشباب داخل هياكل الحزب، في سياق استعدادات تنظيمية تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وعلى المستوى البرنامجي، استعرض بركة ما وصفه بالالتزامات السياسية الكبرى التي صادق عليها المجلس الوطني للحزب، والتي تقوم على خمسة محاور رئيسية، تشمل حماية الأسرة المغربية ومنظومة القيم، والدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين عبر مواجهة الغلاء والاحتكار والريع، واعتماد سياسة تقوم على صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح، والارتقاء بالمرفق العمومي، إلى جانب تعزيز السيادة الوطنية في مختلف أبعادها الاقتصادية والصناعية والغذائية والمائية والرقمية والتكنولوجية.
ودعا الأمين العام الشباب إلى جعل هذه الالتزامات منطلقا لعملهم السياسي اليومي، مؤكدا أن الدفاع عن المدرسة والمستشفى العموميين، ومحاربة الفساد، وتشجيع الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا، تمثل جميعها رهانات مركزية في المشروع الذي يطرحه الحزب للمرحلة المقبلة.
ولم تخل كلمة بركة من إشارات انتخابية، إذ دعا الشباب إلى المشاركة في إعداد البرنامج الانتخابي المخصص لهم، معتبرا أن الحزب يريد أن يكون هذا البرنامج ثمرة مساهمة مباشرة للأجيال الجديدة، بما يعكس أولوياتها وانتظاراتها، بدل الاقتصار على مقاربات تقليدية في إعداد البرامج الحزبية.
واختتم الأمين العام لحزب الاستقلال اللقاء بالتأكيد على أن التنظيم يعول على تعبئة مناضليه، وخاصة الشباب، من أجل تحقيق نتائج متقدمة في انتخابات 2026 و2027، معتبرا أن الرهان لا يتعلق فقط بالفوز الانتخابي، بل ببناء نخبة سياسية جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، والمساهمة في تنزيل الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز التنمية وترسيخ دولة المؤسسات.
ويأتي هذا التحرك في سياق تنافس متزايد بين الأحزاب السياسية على استقطاب فئة الشباب، التي تشكل إحدى أكبر الكتل الانتخابية بالمغرب، وسط مساع متواصلة لتجديد النخب الحزبية وتوسيع المشاركة السياسية، في أفق الاستحقاقات المقبلة التي ينتظر أن تعيد رسم موازين المشهد الحزبي.



