
السفير 24 – إعداد أحمد لعيوني
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتعدد فيه أشكال التعبير، تظل الجامعة فضاءً حياً لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تمسّ جوهر الإنسان ومعنى وجوده. وفي هذا الأفق، لم تكن المناقشة التي احتضنتها الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 مجرد مناسبة أكاديمية عابرة، بل لحظة فكرية مكثفة، أعادت الاعتبار للأدب بوصفه أداةً للفهم العميق للعالم، لا مجرد وسيلة للسرد أو التخييل.
فقد خُصّصت هذه الجلسة العلمية لمناقشة أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها الباحث طارق معطاوي، والتي تناولت البنيوية التكوينية في متخيل الأديب المغربي أحمد التوفيق، مع تركيز دقيق على روايتي جارات أبي موسى وجيران أبي العباس. وهو عمل بحثي يذهب إلى ما وراء القراءة السطحية للنص، ليغوص في طبقاته العميقة، حيث تتقاطع الذاكرة بالتاريخ، ويتعانق الواقعي بالروحي في بناء دلالي مركّب.
وقد انعقدت المناقشة في أجواء علمية رصينة، ترأسها الأستاذ الحبيب الناصري، وبإشراف الأستاذ الشرقي نصراوي، وعضوية لجنة علمية وازنة ضمت نخبة من الباحثين، ذـ أمال وسكوم وذ. كمال ذاكير وذ. عبد الكبير الحسني، الذين أغنوا النقاش بملاحظاتهم الدقيقة وأسئلتهم العميقة، مما منح هذا اللقاء طابعاً حوارياً خصباً يتجاوز حدود التقييم إلى أفق إنتاج المعرفة.
منذ المحور الأول، بدا واضحاً أن الأطروحة تنطلق من مرجعية نظرية صلبة، مستندة إلى تصورات لوسيان غولدمان حول البنيوية التكوينية، خاصة مفهوم التماثل البنيوي الذي يسمح بقراءة النص الأدبي باعتباره انعكاساً لبنية ذهنية جماعية. ومن هذا المنطلق، كشف الباحث أن الفضاء الروائي عند أحمد التوفيق لا يُختزل في كونه خلفية للأحداث، بل يتحول إلى بنية دلالية نابضة، تعكس نظاماً اجتماعياً وروحياً متكاملاً، حيث تتجاور السلطة بالولاية، والوثيقة بالذاكرة، والتاريخ بالتجربة الصوفية.
ولا تقف أهمية هذا العمل عند حدود تحليل البنية، بل تمتد إلى تفكيك اللغة نفسها، إذ توقف الباحث عند ما أسماه “اللغة الثالثة” في كتابات أحمد التوفيق؛ وهي لغة هجينة تنبثق من تفاعل خطاب المؤرخ مع حساسية المتصوف. لغة لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى إلى تأويله وإعادة تشكيله، عبر تداخل معجم توثيقي يمنح النص صلابته المرجعية، ومعجم إشاري يفتح أفق التأويل، ومعجم أنثروبولوجي يربطه بجذوره الثقافية. وهنا تتحول الكتابة من مجرد أداة تعبير إلى فضاء لتداول القيم، حيث يلتقي العقل بالذوق، والنظام بالإشراق.
أما في قراءته للبنية الاجتماعية داخل النص، فقد أبرز الباحث حضور الفاعل الجماعي بوصفه عنصراً مركزياً في البناء الروائي، حيث لا تظهر الشخصيات كذوات منفصلة، بل كامتدادات لوعي جماعي يمكن تسميته “الإنسان الروحاني المغربي”. ويتجلى هذا الوعي في مفاهيم رمزية مثل البركة، التي لا تؤدي وظيفة دينية فقط، بل تضطلع بدور بنيوي في إعادة تنظيم العالم الروائي ومقاومة مظاهر التفكك.
ومن خلال تحليل رواية جارات أبي موسى، تتضح دينامية التفاعل بين المركز والهامش؛ بين سلطة المخزن وصوت المجتمع، بين الوثيقة الرسمية والذاكرة الشعبية، في نسيج سردي يتسم بكثافة رمزية ويميل إلى أفق الواقعية السحرية. وهو ما يعكس، في العمق، رؤية للعالم ترى في المجتمع المغربي كياناً متماسكاً، تتكامل داخله الأبعاد الزمنية والروحية في انسجام لافت.
وفي ختام هذه اللحظة العلمية، خلص الباحث إلى أن تجربة أحمد التوفيق لا تندرج ضمن السرد التاريخي التقليدي، بل تمثل مشروعاً إبداعياً يسعى إلى إعادة بناء المعنى وصياغة الوعي. فالرواية هنا ليست مرآة للواقع فحسب، بل أداة لإعادة تشكيله، عبر شبكة معقدة من العلاقات التي تربط بين التاريخ والروح، بين السلطة والولاية، في أفق إنساني رحب.
وقد توّجت هذه المناقشة بمنح الباحث طارق معطاوي شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جداً، في اعتراف مستحق بقيمة عمله وجدية مقاربته. غير أن الأهم من ذلك، أن هذه المناقشة أعادت التذكير بأن الأدب، حين يُقرأ بعمق، يتحول إلى معرفة، وأن الجامعة، حين تنفتح على أسئلة المعنى، تصبح فضاءً حقيقياً لإنتاج الفكر.
هكذا، لم تكن هذه الأطروحة مجرد عمل أكاديمي، بل كانت دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في وظيفة الكتابة، وفي قدرة الرواية على أن تكون، في آنٍ واحد، عمارةً للمعنى وسقفاً للروح.



