
السفير 24
جاء قرار المحكمة الدستورية المتعلق بقانون التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة ليكشف، مرة أخرى، هشاشة البنية التي يُراد لها أن تحمل أحد أعمدة الديمقراطية الحديثة: صحافة حرة، منظمة ومستقلة. غير أن ما تلا القرار لم يكن نقاشاً مؤسساً ولا لحظة مراجعة جماعية مسؤولة، بقدر ما تحوّل إلى ساحة صراخ سياسي ونقابي، ومزايدات مهنية ومبارزات خطابية يتقنها من شاخوا داخل المهنة أكثر مما يتقنون إصلاحها.
لقد رحبنا في الجمعية المغربية للإعلام والناشرين بقرار المحكمة الدستورية باعتباره لحظة دستورية سامية لأننا نؤمن بأن التنظيم الذاتي ليس ترفاً تشريعياً، بقدر ما هو اليوم ضرورة وجودية لمهنة تواجه الانهيار الاقتصادي، والتحول الرقمي العنيف، وتآكل الثقة واستنزاف الموارد البشرية.
غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في قرار المحكمة، بل في أولئك الذين جعلوا من عرقلة القانون بطولة زائفة، ومن تعطيل المسار إصلاحاً.. أولئك الذين تجاوزهم قطار المهنة ، فاختاروا أن يضعوا العصا في عجلة كل محاولة إصلاح بدل أن يراجعوا أعطابهم، وأخطاءهم وفشلهم في إدارة المؤسسات التي أوصلوا بعضها إلى الباب المسدود.
لقد كان قانون التنظيم الذاتي، بكل ما له وما عليه، محاولة لسد فراغ قاتل في مجال الحكامة المهنية، فراغ ستكون له كلفته الباهظة على المقاولات الصحافية، وعلى الصحافيين، وعلى صورة الصحافة الوطنية. ولولا المبادرات التي قدمتها الجمعية المغربية للإعلام والناشرين، والمشاريع الواقعية التي طرحتها، لكان ما يقارب سبعين في المائة من المقاولات الصحافية اليوم مهددة بالإغلاق نظرا للأزمة البنيوية التي ضربت القطاع منذ كورونا وبسبب العجز عن تقديم بدائل عملية ومستدامة ممن تحملوا مسؤولية إيصال الصحافة إلى وضعية بلوكاج غير مسبوقة وستدوم اليوم أكثر من ثلاثة أو أربعة اشهر..
نحن في الجمعية المغربية للإعلام والناشرين من قمنا بتوقيع اتفاقية مسؤولة مع النقابة الوطنية للصحافة، تهدف إلى تحسين أجور الصحافيين، في زمن كان فيه البعض يكتفي برفع الشعارات وبيع الأوهام. نحن من اشتغلنا على تطوير المقاولة الإعلامية ، على الأجور، على الاستمرارية، على الاستقرار الاجتماعي للمهنة، بينما انشغل آخرون بصناعة الضجيج وإدارة الصراعات الوهمية ونشر الأباطيل، والأكاذيب ، مع التذكير أن كل المقاولات التابعة للجمعية التي أتشرف برئاستها بتنفيذ بنود الاتفاق بزيادة الف درهم في أجور الصحافيين وهو ما لم نسمع له اثرا في المقاولات التي يديرها من يحترف اليوم الضجيج والصراخ.
واليوم، نجد أنفسنا أمام وضعية بلوكاج حقيقي، فراغ مؤسساتي سيمتد لشهور ، ستكون كلفته الاجتماعية والمهنية قاسية، ليس على المتصارعين فوق المنابر، بل على الصحافيين البسطاء: أولئك الذين يترقبون تجديد بطاقة الصحافة، أولئك الذين ستتعثر ملفاتهم، وأولئك الذين سيدفعون ثمن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إن التنظيم الذاتي ليس ملكاً لفئة، ولا غنيمة سياسية، ولا منصة لتصفية الحسابات. إنه رهان وطني يتعلق بمستقبل مهنة يفترض أن تكون سلطة أخلاقية ورقابية، لا ضحية حسابات انتخابية محمومة. وما حدث يكشف بوضوح أن هناك من قدّم الصحافة قرباناً في سياق سياسي انتخابي ضيق، وتاجر بها باسم مبادئ مطاطة، وشعارات فضفاضة، وتخويفات بلا بدائل.
فماذا قدم الذين احترفوا الصراخ؟ أين مشاريعهم؟ أين تصوراتهم الاقتصادية؟ أين حلولهم لأزمة التمويل؟ أين مقترحاتهم لحماية الصحافي اجتماعياً ومهنياً؟ لم نرَ سوى خطابات وبيانات، واحتجاجات لغوية لا تُغني عن إصلاح ولا تسد فراغاً ولا تنقذ مؤسسة من الإفلاس.
إن المستقبل وحده سيحكم. سيحكم بين من اشتغل على الأرض، ومن اشتغل على الميكروفون. بين من راهن على البناء، ومن راهن على التعطيل. بين من حمل همّ مقاولة الصحافي ، ومن استثمر في زرع الخوف ودفع المشهد الإعلامي بالمغرب نحو الفراغ.
نحن مستعدون للدفاع عن أطروحتنا، بالحجة، وبالعمل، وبالنتائج، لا بالصراخ. مستعدون لتحمل مسؤوليتنا التاريخية في لحظة دقيقة، لأن الصحافة ليست ملكاً لأحد، بقدر ما هي أمانة جماعية في عنق الجميع. أما أولئك الذين شاخ خطابهم قبل أن تشيخ أجسادهم، وتجاوزهم الزمن قبل أن يتجاوزهم القدرة على إبداع الحلول والبدائل، فسيكتشفون قريباً أن التاريخ لا يرحم من يتاجر بالمهنة ولا يكتب المجد لمن يعرقل المستقبل.
فالصحافة، مهما أُنهكت، ستظل تبحث عمّن يبنيها لا عمّن يقتات على أزمتها، وغدا سيحس الصحافيون حين يجدون نفسهم بلا بطائق صحافة ولا بطائق قطار ومؤسساتهم لن تستطيع تلقي الدعم العمومي، من كان يدافع حقا عن مصالحهم ومن كان يتاجر باسمهم من أجل المقاعد وقدم الصحافة كبش فداء لصراعات السياسيين .



