
السفير 24
جاء في الأثر: “الأحمق تتمنى أمه أن تكون قد فقدته، وتتمنى زوجته لو أنها منه أرملة، ويهرب منه جيرانه ورفاقه لما يسببه من أذى.”
وذلك لأن الحماقة، كما وصفها الحكماء العرب، ليست مجرد نقص عقل، بل وبال يصيب كل من يحيط بصاحبها.
ولعلّ هذا الوصف ينطبق اليوم على بعض الوجوه التي ظهرت على منصات التواصل، ممن جعلوا الافتراء صناعة، والتضليل مهنة، والإساءة منهجًا ثابتًا. من بينهم اليوتيوبر المدعو هشام جيراندو، الذي تحول إلى نموذج صارخ للخطاب المأجور، بعدما تجاوز كل الحدود الأخلاقية والقانونية والدينية، واتخذ من الأكاذيب تجارة ومن الابتزاز رأس مال.
بين ملفات قضائية مفتوحة، وغرامات، ومتابعات، وسوابق معروفة داخل كندا وخارجها، يواصل الرجل رحلة هروبه من الواقع، كمن يقود سفينة مثقوبة في بحر هائج، لا يملك المعرفة ولا الشجاعة ولا المسؤولية التي تجعل منه ربانًا، بل مجرد مغامر متهور ينتظر الغرق.
لم يكن سقوطه الأخلاقي كافيًا، بل زاد عليه سقوطًا أسريًا واجتماعيًا. فقد تحولت حياته إلى سلسلة من الأزمات التي دفعت أفراد عائلته إلى دفع ثمن ما يقترفه من إساءة وتضليل، وكل ذلك بسبب اندفاعه الأعمى نحو خلق صراعات لا تجلب له سوى الخراب.
غير أن التحول الأخطر كان عندما التقطته شبكات تعمل خارج القانون، وعلى رأسها الشخص المسمى المهدي الحجاوي، المتابع قضائيًا والهارب من العدالة، والذي وجد في جيراندو الواجهة المثالية لترويج خطاب عدائي يستهدف المؤسسات الوطنية، خدمة لأجندات خارجية.
هكذا تحولت قناة “تحدي” إلى منصة بثّ أكاذيب ممنهجة، تُهيَّأ لها المواد وتُطبخ رواياتها في الظلام، قبل تقديمها في ثوب “فضائح” للرأي العام، بينما هي ليست إلا نتاجًا لصراع سياسي استخباراتي قذر.
وانضم إليهما لاحقًا مصطفى عزيز، الذي بعد أن فقد امتيازاته التجارية، وجد في ضرب المؤسسات الوطنية أسلوبًا للانتقام، محولًا فشله الشخصي إلى خطاب عدائي يحاول أن يغلفه بلبوس “النضال”.
بدأت العصابة تلتقي نهارًا تحت اسم “حزب مغرب الغد”، بينما تتجمع ليلًا حول قناة “تحدي” لصياغة خطابات تحريضية تستهدف استقرار البلاد ورموزها ومؤسساتها، بدعم شبكات خارجية، وحسابات وهمية، وتمويلات مشبوهة تأتي من أطراف معروفة بعدائها للمغرب.
ومع مرور الوقت، انكشف المستور. لم يعد المغاربة ينخدعون بالأكاذيب الرقمية ولا بالأرقام المصطنعة، وبدأت تتسرب تسجيلات صوتية تُظهر حجم الابتزاز والسمسرة التي كان يمارسها جيراندو، وارتباطاته بشبكات مشبوهة تتاجر في كل الممنوعات. وهنا سقط القناع الأخير، وظهر الوجه الحقيقي للخطاب الذي كان يقدمه: خطاب قائم على الحقد، والتلفيق، والتحريض، لا على الحقيقة ولا على المبدأ.
لقد حاول الرجل اللعب بالنار، والتحريض على مؤسسات الدولة، واستهداف رموزها، وتقديم نفسه كمفجر لـ”ثورة” يريد بها إحراق الجميع… لكنه في النهاية لم يحرق إلا نفسه ومن حوله.



