في الواجهةكتاب السفير

وهم المورادية الشائخ: من “تقرير المصير” إلى ذريعة “تأجيل المصير”

وهم المورادية الشائخ: من "تقرير المصير" إلى ذريعة "تأجيل المصير"

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

في دهاليز السياسة الجزائرية، لا شيء أثقل وطأة ولا أسرع شيخوخة من الحقيقة المؤجلة. فـ”قضية” صنعت يوما تحت شعار “تقرير المصير”، تحولت على يد صناعها إلى مجرد ذريعة باردة لـ”تأجيل المصير”، مصير المنطقة ومصير شعوبها. لم يعد النظام في الجزائر يقاتل من أجل “قضية عادلة”، بل يقاتل بضراوة من أجل إبقاء رواية انتهت صلاحيتها، حتى بين جدران “المورادية” نفسها. المشهد من تندوف إلى العاصمة هو مسرح للعبث السياسي، شاهد على أن السلطة، حين تفقد مشروعها الداخلي، لا تجد خلاصها إلا في خلق عدو خارجي لتبرير استمرارها.
في الجهة المقابلة، اختارت المملكة الشريفة طريقا لا يحتاج إلى تبرير: طريق البناء الصامت والعمل المنجز. لقد تجاوز عهد انتظار تقارير مجلس الأمن وبيانات التوصية الأممية. الرد المغربي لم يعد بالخطابات النارية، بل بالإنجازات على الأرض التي تختزل عقودا من الجدل. ميناء الداخلة الأطلسي الضخم ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو بيان سياسي يختصر الفارق بين نموذج دولة تصنع المؤامرات ونموذج دولة تصنع المستقبل. لقد انتقل الملف بشكل حاسم من “معركة الشعارات” إلى “معركة النموذج التنموي”، ومن لغة “الاستقلال” الموهوم إلى لغة “الاندماج الاقتصادي والجهوية المتقدمة”.
إن الفكر السبعيني، حيث كان يعتقد أن خريطة المنطقة ترسم بقوة السلاح لا بمنطق الجغرافيا والتاريخ، لا يزال هو السائد في الجزائر. لا يزال المشهد يتكرر بمهارة فجة، حيث تنسج قصص مظاهرات في مدن الصحراء المغربية، وتكشف الكاميرات أنها ليست سوى لقطات معاد تدويرها من مخيمات تندوف، بوجوه أرهقها العوز لا الغضب، وبلقطات أُعدت في مكاتب الأجهزة الاستخباراتية قبل أن ترفع في الهواء الطلق. إنها مسرحية سياسية لا تنتهي فصولها، تعرض في مسرح دبلوماسي فقد جمهوره وتصفيقه.
هذه “الاحتجاجات الوهمية” ليست سوى قناع سميك يغطي وجها داخليا مثقلا بالفشل المدوي. إن النظام الذي عجز عن توفير أبسط مقومات الكرامة وفرص العمل لشعبه، يجد في جرعة يومية من “الخطر المغربي” وسيلة مثالية لصرف الانتباه عن عجز حكمه. إنه يحكم لا عبر قوة المؤسسات، بل عبر سلطة الخوف: الخوف من الجار، من الإصلاح الاقتصادي، من محاسبة التاريخ، ومن الحقيقة. ومن المفارقات الساخرة أن السلطة التي ترفع عاليا شعار “حق الشعوب في تقرير المصير”، هي نفسها التي تكبل شعبها وتمنعه من تقرير مصيره واختيار حكامه منذ ستين عاما.
لقد تحولت “المورادية” فعليا إلى مركز لإنتاج الإشاعة والدبلوماسية الزائفة. كلما اقتربت مواعيد مجلس الأمن، تنفجر الآلة الإعلامية: تظاهرات، تقارير مزيّفة، وبيانات مشحونة بـمفردات التحرير والمقاومة في ساحة لا يوجد فيها حر ولا مقاوم. في تندوف، يستعمل الإنسان كـأداة باردة في حرب فقدت كل حرارتها. الآلاف يعيشون في خيام، وطنهم الوحيد هو التصريحات التي تصدر باسمهم وتصرف المساعدات لأجلهم، ليذهب ريعها لحسابات أخرى.
في المقابل، يواصل المغرب بناء وطنه كما تبنى الفكرة الراسخة: بالصبر، التراكم، والوضوح الاستراتيجي. لم يعد الخطاب يتحدث عن “نزاع”، بل عن تنمية، جهوية، استثمارات عملاقة، وطاقة نظيفة. من يطأ أرض الداخلة اليوم يرى مدينة تنمو بثقة على شواطئ الأطلسي، لا منطقة نزاع. هذا التناقض الصارخ يربك الجارة الشرقية، التي تجد نفسها عاجزة عن مواجهة واقع ينهار دون الحاجة إلى إعلان حرب مفتوحة.
المأزق الحقيقي للنظام الجزائري هو أنه أصبح أسير أوهامه الخاصة. كل خسارة على الأرض تقابل بخطاب قديم يعاد تدويره: “المغرب محتل”، “الصحراويون ينتفضون”، “الأمم المتحدة تتقاعس”. لكن العالم تغير، واللغة تبدلت، والمصالح تحولت. لم يعد أحد يشتري الأساطير الدبلوماسية بالتقسيط. حتى حلفاء الجزائر التقليديون باتوا ينظرون إلى المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الإطار الوحيد العملي والممكن، فيما يصر الإعلام الرسمي هناك على إنعاش جثة سياسية لم تعد تنبض.
كان يمكن للجزائر أن تكون شريكا مؤسسا لاتحاد مغاربي قوي ومزدهر، لكنها اختارت أن تكون رهينة لخطابها القديم. كل دينار ينفق على تمويل الوهم في تندوف، هو دينار يقتطع من مائدة الجزائريين. كل دقيقة تقضى في تخطيط إضعاف الجار، هي دقيقة تضاف إلى سجل التأخر التنموي في الجزائر نفسها. إنها مأساة لبلد غني أن يدار بعقلية الثورة وهو يعيش في زمن التنافس الاقتصادي.
الآن، لم تعد القضية مجرد “ورقة سياسية”، بل تحولت إلى مرآة حقيقية. مرآة تكشف بوضوح من هو الباني ومن هو الهادم، من يتقدم ومن يتقادم. الرباط اليوم تقف في موقع المبادرة الواثقة، والمورادية في موقع الذعر المربك. هذه ليست معركة حدود، بل معركة نضج الوعي السياسي. المغرب ينتصر لأنه يتغير، والجزائر تخسر لأنها ترفض الاعتراف بأن الزمن قد غادرها.
لقد شاخت الأسطورة، وحان وقت دفنها. لكن النظام الجزائري وحده لا يستطيع إعلان الجنازة، لأنه يعلم أن موت هذا الوهم يعني بداية حساب الحقيقة. والحقيقة اليوم ساطعة كالشمس في رمال الصحراء: الأرض مغربية، المستقبل مغربي، والمنطق لم يعد يحتمل التغطية. أما الجزائر، فكلما حاولت تغطية شمس الصحراء بالبيانات، اشتعلت أكثر بحرارة الواقع.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى