
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في الخميس 18 شتنبر، تستعد فرنسا ليوم لن يمحى من ذاكرة مَن عاشه، أو سمع به. لن يكون مجرد يوم احتجاجات، بل ستكون لحظة مواجهة: بين الشعب الذي بات يئن من الأعباء وبين السلطة التي تواظب على الادعاء بأنها تخدمه. يوم سيختبر فيه منطق القوة، منطق الخطاب السياسي، ومنطق الصمود الشعبي — إن بقي هذا الأخير بإمكانه الصمود.
في صباح الخميس، ستظهر شوارع باريس والعديد من المدن الكبرى كأنها على كمدن محاصرة. السلطات تعد “حضورا أمنيا ضخما”، حيث من المتوقع أن تنتشر حوالي 80 ألف شرطي وجندي ودركي في مختلف الجهات، مدعومين بمركبات مدرعة، مدافع مياه، وفرق مختصة في تفريق الحشود. النقابات تعلن أن المظاهرات ستشهد “مئات العناصر الراديكالية” من نوع Black Bloc،استعداداً لاعتبارات «أكثر حدة من سابقاتها». المسؤولون من وزارة الداخلية أبلغوا بأن عدد المسيرات المعلنة حتى الآن يفوق 40 مسيرة رسمية، من باريس إلى ليون ومونبلييه ونانت، مع توقع بحضور جماهيري يتجاوز 400 ألف شارك، مقارنة بـ200 ألف في تحرك “Bloquons tout” في 10 شتنبر. أما المطارات، فينتظر أن تعاني من اضطرابات: تساؤلات قائمة حول مآل الرحلات القادمة والمغادرة، مع احتمال تأخر إقلاع بعضها أو إلغائها كما جرت العادة في مثل هذه الأيام، لتفادي المواجهات أو إغلاق الطرق المؤدية إلى البوابات الأمنية.
المواطنون سيصحون على صقيع اقتصادي لا يحتمل: الأسعار ترتفع، الأجور مجمدة، والتقاعد… على وشك أن يرمى إليه بتأجيلات جديدة. النقابات تحمل الحكومة، ومعها السلطة المالية، مسؤولية خنق القدرة الشرائية، وتراجع مستوى المعيشة. في ميزانية 2026، هناك خطط مقترحة لتجميد أجور العاملين في الوظيفة العمومية والعقود المؤقتة. كما يبحث في ترحيل أو تأجيل إعادة تقييم المعاشات التقاعدية، ما يعني أن المتقاعدين سيصبحون وحدهم أمام التضخم وقوة الأسعار، في وقت تلج فيه الحكومة حساباتها مع “الإنفاق العام”. الأجور الحقيقية التي يدعون أنهم سيحسنونها؟ ربما ترى “بريقها” بعد تأخيرات أو مراجعات تخفف من أثرها. حتى الآن، الكلام كثير، والأمل ضعيف عند العائلات المكدسة في ديون البطاقات الائتمانية، والفواتير التي ترسل كما رسائل تهديد.
اقتصاد فرنسا سيواجه اختبارا مباشرا: النقل العام سيتوقف جزئيا أو كليا في المدن الكبرى. القطارات والمترو وسائر شبكات النقل المحلية ستشهد إضرابات قوية جدا، مع تأخيرات وإلغاءات متوقعة. المتظاهرون يعدون بقطع الطرق وأحيانا «بلوكاج» للمحاور الحيوية، ما سيؤثر على سلاسل الإمداد، المبيعات، وحركة الأسواق. قطاع الطيران سيتأثر أيضا: موظفو المطارات قد ينضمون للإضراب، والمراقبة الجوية قد تتوقف أو تقلل نشاطها، ما سيؤدي إلى تأخيرات وإلغاءات. شركات النقل البري، الحافلات العامة والقطاع الخاص، كلها محاطة بشكوك حول القدرة على العمل في مستوى مقبول. وفي البورصة والأسواق المالية، سينعكس الخوف من عدم الاستقرار: المستثمرون سيراقبون الأخبار؛ بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة قد تعلن عن خسائر اليوم نفسه إذا لم توفر إجراءات طارئة لتجاوز هذا اليوم الأسود. الإنتاج الصناعي سيتعثر، فاتورة الطاقة سترتفع إن تأثرت الإمدادات.
سياسيا، الخميس 18 شتنبر سيكون صورة عارية للمأزق: السلطة ستصرح بأن “الموارد محدودة”، وأن “الحكومة تعمل بكل جد”، وأن “الإصلاحات ضرورية” — نفس الرسالة التي لفتها سابقا بألوان الحزم والتفهم، لكن دائما من بعيد وبمكبر صوت أدعياء الخيرية. المعارضة؟ بعضها سيشارك في الاحتجاجات بخشية أن يتهم بأنه يشعل الحراك، وبعضها سيلوم السلطة من مقاعد البرلمان، بتصريحات محسوبة، لئلا يفاجأ بخروج الجماهير من تحت أقدامه. وزير الداخلية سيقول إن “الأمن هو أولوية”، وأن “حق التظاهر محفوظ، لكن ليس حق التخريب”، بينما وزراء المالية والعمل يقولون إن “الميزانية لا تحتمل المزيد من الإنفاق” — رغم أن القصور في التحضير وجشع الفوائد والضرائب والتملص الحكومي من الوعود كان هو الذي أوصل الأمور إلى هذا الحريق. البرلمان سيكون مسرحا لتراشق كلامي: بعض النواب من اليمين سيحملون الحكومة كل ما يحدث، واليسار سيتهم اليمين بالتواطؤ أو بكونه جزءا من المشكلة — وفي النهاية، لن تقر أي مراجعة فورية للإصلاحات قبل أن يفيق الرأي العام، وربما لا حتى بعد هذا الخميس الأسود.
الخميس 18 شتنبر ليس مجرد تاريخ على الأجندة، بل تجربة قاسية ستختبر ما تبقى من ثقة بين الحاكم والمحكوم. إن استطاعت الحكومة أن تدير الأزمة بالأمن فقط، بدون استجابة حقيقية للمطالب الاجتماعية، فستكون خسارتها أعظم مما تتخيل: ليس في الشارع فحسب، بل في رأس المواطن الذي سيقول “كفى” عندما لا تعود هناك أية وعود تنفع. إذا، يوم الحساب قادم، وإذا لم تخف الإرهاصات بعض الشيء، سيثبت هذا الخميس أن فرنسا لم تعد قادرة على التظاهر بأنها “أم الديمقراطيات الاجتماعية” — وستكون الصورة التي تكشف أنها في قلب أزمة هوية مركبة من الفقر، الغضب، والخيبة.



