في الواجهةكتاب السفير

مهما قالوا وتقولوا .. الزاوية البودشيشية بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا

مهما قالوا وتقولوا .. الزاوية البودشيشية بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا

le patrice

السفير 24 – عبدالفتاح المنطري

كل من هب ودب، أضحى شغله الشاغل هذه الأيام عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى أعمدة الصحف الإلكترونية والورقية، النيل من زاوية مغربية عريقة يمتد تاريخها على مدى قرون مضت منذ زمن القطب الرباني سيدي عبدالقادر الجيلاني دفين العراق ومؤسسها الشيخ سيدي علي بودشيش الذي كان يطعم الفقراء والمساكين سنوات المجاعة بطعام التشيشة أو الدشيشة ومنها جاءت تسمية الطريقة القادرية بالبودشيشية.

لقد أصبح حديث الولاية والوصية وطقوس الزاوية على كل لسان خاصة من بعض جحافل من ينعتون بالوهابيين الحاقدين على التصوف السني وعلى كل ما عرف عن بلادنا من خصوصيات دينية وثقافية شبه منفصلة عن المشرق وشافعيته وحنبليته وحنفيته ورواية حفص عن عاصم ووهابيته ومدخليته وشيعيته.

ومع كل ذلك، تظهر سلوكات غير مشرفة في خضم الأحداث الراهنة من بعض المريدين غفر الله لهم أو من المحسوبين على أكبر طريقة صوفية سنية بالمغرب وذات الإشعاع الدولي والعربي والإسلامي المشهود له إعلاميًا في جل قنوات الدنيا.

وهنا تنبغي الإشارة أيضًا إلى الرسالة المنشورة المنسوبة إلى السيد أحمد التوفيق، إذ أضحى التهافت على متاع الدنيا بشتى الطرق الشرعية وغير الشرعية هو ديدنهم وكأنهم انتسبوا إلى الطريقة من أجل قضاء مصالحهم الشخصية والانتفاع الذاتي من سمعة الطريقة بأساليب مقيتة أشبه بالميكيافيلية، بعيدًا عن كل تعلق برب القلوب الذي هو مسعى الطريقة وديدنها.

وربما تراجعت أنفاسهم قليلاً وقل طمعهم وضعفت شراستهم ورطبت قلوبهم لو امتثلوا لتوجيهات شيخهم الفاضل وعملوا بنصائحه التي تأتي كالدرر والجواهر المفقودة (رحيل الشيخ كرحيل حليب الرضاع، فلا يرضع الرضيع سوى “الغيال”، لكن الشيخ الحي يدوم الانتفاع به ومنه كدوام حليب الأم).

الحياة مع الشيخ الحي مليئة بالأسرار الربانية وبالبركات الحسية والمعنوية، لكن الشيخ الذي رحل إلى دار البقاء يظل ذلك الكنز الثمين الذي لا يفنى والمرجع الروحي الذي يستعان به في حياة المريد عملاً بأقواله المأثورة والتأسي بسيرته العطرة على منهاج النبوة.

فمن أبسط الأمور لدى المريد أن يعمل على الامتثال لتوجيهات شيخه والبلاغات التي تصدر باسمه كلما حدث حادث، وأن يتجنب الشبهات التي يمكن أن تسقطه في الهوى وفي ملذات الحرام.

عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.” رواه البخاري ومسلم. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد رأينا فضل هذه الطريقة على مريديها في الحس كما في المعنى، ويتوافد عليها علماء فقه وشريعة ورجال فكر وأطباء وصيادلة ومهندسون ومحامون وأساتذة جامعيون ورجال أعمال وإعلام وكتاب وأدباء ومدراء وطيارون وشخصيات بارزة من المغرب ومن المشرق ومن أوروبا وأمريكا وإفريقيا وآسيا، بل من كل أصقاع العالم، ومن كل الشرائح العمرية والاقتصادية والاجتماعية، من الذكور والإناث.

لا عجب أن نراهم منقادين بفطرتهم السليمة التي خلقوا عليها مستجيبين لنداء الميثاق الأول “ألست بربكم؟” قالوا بلى، فيأتون من كل بقاع الأرض بحثًا عن الشيخ الحي الدال على الله في بلاد المغرب والتي جاء بها الحديث الصحيح، ولله الحمد والمنة: “لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.”

أولاً يزال أهل المغرب في رواية أخرى لمسلم، ويقول المفسرون خاصة المالكية أنهم أهل المغرب والأندلس.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، أود أن أذكر هنا، والذكرى تنفع المؤمنين، بأن شباب اليوم هم أحوج أكثر من أي وقت مضى إلى اتباع طريق التصوف لمحاربة التطرف الذي أضحى يأكل الأخضر واليابس في ثنايا خلايا نائمة، يقظة ومتحركة تعشق الدماء المسفوكة، لا تبقي ولا تذر وتكاد لا تخطئ بلدًا دون آخر.

وقد حافظت بحمد الله بلادنا على سنيتها في التصوف على طريقة الإمام الجنيد وأشعريتها في العقيدة ومالكيتها في المذهب الفقهي، مما جعلها في مأمن من الفتن الطائفية والمذهبية.

ولست متخصصًا في منهج هذه الطريقة الصوفية السنية المغربية العريقة التي غدت كونية، ولا بلغت معشار ذرّة ما بلغه المنتسبون إليها من ذكر وأحوال ربانية، لكن في أمهات كتب المتقدمين والمتأخرين من علماء السنة والطريقة وفي البوابة الرسمية لهذه الطريقة المباركة، ما يغني عن السؤال.

يقول الفقير المحب عبدالرحيم حجيب الإدريسي في تدوينة له هنا أن الطريقة القادرية البودشيشية تعيش اليوم لحظة دقيقة تكشف عن تداخل المعطيات التاريخية والراهنة في صياغة مستقبلها.

فمنذ نشأتها، ظلت الزوايا المغربية فضاءً لحراسة الروح وتجديد المعنى الديني، متوازنة مع إمارة المؤمنين التي حملت عبر القرون مسؤولية صون العقيدة وتدبير الشأن الديني العام.

هذا التقابل لم يكن تبعية ولا خصومة، بل علاقة تقابل تكاملية: إمارة المؤمنين ترعى الوحدة الدينية، والزوايا تحفظ سر التربية الروحية تحت رعاية أمير المؤمنين لا بموازاته.

في ضوء هذا الإرث، يتضح أن مشيخة الزاوية ليست منصبًا إداريًا ولا سلطة زمنية، بل هي مقام رباني يثبت بالوصية المتصلة وبالإجماع العملي للفقراء والمحبين.

لهذا فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق باختيار من يقود الطريقة، لأن الأمر محسوم سلفًا بالوصية الشرعية للشيخ سيدي جمال، وبالقبول الواسع والإجماع الذي حظي به الشيخ الدكتور منير القادري، داخل المغرب وخارجه، من طرف مريدي الزاوية وهيئات علمية وصوفية معتبرة في العالم الإسلامي.

غير أن الحقل الديني المغربي يعرف في السنوات الأخيرة ديناميات جديدة مرتبطة بمحاولات إعادة هندسة السلطة الرمزية.

وحين تتحول زاوية مثل القادرية البودشيشية إلى فاعل مؤثر يتجاوز الطابع المحلي، ويجمع بين القوة التنظيمية والامتداد الدولي، فإنها تدخل في دائرة القلق بالنسبة لبعض دوائر التحكم التي تسعى دائمًا إلى ضبط المجال الديني ضمن حدود ضيقة.

ومن هنا نفهم بروز محاولات خلق بدائل رمزية محدودة الأثر فاقدة للشرعية (الوصية والإجماع)، في مسعى لتفريغ القيادة الروحية من عمقها التربوي والمعرفي.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضًا شخصية سيدي منير، شيخ الطريقة، تكوينًا أكاديميًا وإشعاعًا تربويًا صوفيًا، محليًا ودوليًا، يظهر بكل جلاء معنى ما سبق ذكره.

لكن الواقع يثبت أن هذه الاستراتيجيات لا تصمد طويلاً، لأن الزوايا لا تقوم على منطق التسويق ولا على القرارات الفوقية، بل على أثر التربية في القلوب وثمرة السلوك في الميدان.

والشيخ مولاي وسيدي منير يجمع بين بعدين نادرين: عمق عرفاني أصيل ورصيد أكاديمي رفيع، مما يمنحه شرعية مضاعفة تؤهله لأن يكون صوتًا صوفيًا معاصرًا قادرًا على مخاطبة الداخل والخارج.

إن المرحلة الحالية، بما تحمله من شد وجذب، ليست إلا تعبيرًا عن صراع أعمق بين منطق يسعى إلى تحويل التصوف إلى فولكلور منزوع الفاعلية، ومنطق آخر يريد له أن يستعيد أصالته كقوة تربوية وروحية مستقلة في خدمة الأمة عبر مبدأي التربية والأخلاق.

وفي كل الأحوال، فإن ولاء الطريقة القادرية البودشيشية لأمير المؤمنين ثابت لا يتغير، لأنه جزء من جوهر هويتها الروحية والتاريخية، كما أن أمير المؤمنين كان دائمًا الحكم العادل والحاضن الحكيم.

المستقبل القريب سيكشف أن قوة الوصية وإجماع الفقراء ستبقى هي المرجع الحاسم في تحديد من هو شيخ الطريقة، أما الادعاءات التي تطرح نفسها خارج هذا الإطار الشرعي والروحي فستبقى مجرد دعوى بلا سند.

وأقصى ما يمكن أن تتيحه، إن كان لها وجود، هو أدوار تسييرية محدودة لا ترقى إلى مقام المشيخة، إلا إذا اختار أصحابها طريقًا آخر بإنشاء زوايا خاصة بهم خارج السياق البودشيشي الأصيل.

ومن ثم يظل الثابت أن الزوايا التي ارتبطت بالله وخدمت الوطن تحت ظل إمارة المؤمنين هي وحدها التي تستمر، أما محاولات الالتفاف والاحتواء فلن تكون سوى عابرة، لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.

لذلك ستبقى وحدة الطريقة مضمونة كما أصلها، شيوخها سيدي العباس وسيدي حمزة وسيدي جمال قدس الله سرهم، وكما سعى لها سيدي ومولاي منير سعيًا حليمًا حكيمًا رحيمًا، وفي نفس الوقت ثابتًا على العهد، مستقيمًا قويًا كما هم أهل الله وخاصته، برعاية مولوية، لأمير المؤمنين نصره الله، حامية سامية عطوفة وعادلة.

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين الحبيب سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وفي ذات السياق، أصدر مريدو ومريدات الطريقة القادرية البودشيشية بمدينة الشهداء وادي زم بيانًا للرأي العام، قالوا فيه:

إن مريدي ومريدات الزاوية القادرية البودشيشية بمدينة الشهداء وادي زم يعربون عن تمسكهم الراسخ بالعارف بالله سيدي منير القادري بودشيش، شيخًا للطريقة القادرية البودشيشية خلفًا لأبيه المرحوم سيدي جمال الدين القادري بودشيش، قدس الله سره.

ذلك أن السرّ والإذن الذي انتقل إليه من والده المرحوم كان بموجب وصية شرعية موثقة بتاريخ 4 ديسمبر 2024.

وقد جاءت هذه الوصية منسجمة مع وصية سابقة للشيخ العارف بالله سيدي حمزة بن العباس، قدس الله سره، المؤرخة سنة 1990، والتي نصّت على أن سر هذه الطريقة المباركة ينتقل منه إلى ابنه سيدي جمال الدين، ثم إلى حفيده سيدي منير القادري بودشيش، ابن سيدي جمال الدين، قدس الله أسرارهم جميعًا.

كما أن هذه الوصية سبق أن أكدها سيدي الحاج العباس القادري بودشيش، والد سيدي حمزة وجدّ سيدي جمال الدين، وذلك منذ أكثر من ستين سنة.

وإذ نؤكد تمسكنا بهذه الوصايا، فإننا نعلن أن الخروج عنها إنما هو خروج عن الشرعية والقانون، ومسّ بثوابت الأمة المغربية.

وهذه الثوابت قد رعاها مولانا أمير المؤمنين، حامي الملة والدين، الذي سار على نهج أسلافه المنعمين، حافظًا للوصايا، كما أمر القرآن الكريم في غير ما آية بعدم تغييرها أو المساس بها.

فهي أمانة من الله تعالى يخلّفها الموصي للعمل بها دون تبديل أو تغيير أو تحريف، وما أحلّه الله لا يُحرَّم، وما حرّمه الله لا يُحلَّل.

حفظ الله مولانا أمير المؤمنين بما حفظ به الذكر الحكيم، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية والنصر والتأييد والتمكين، وجعل البركة في ولي عهده المولى الحسن، وصنوه المولى الرشيد.

كاتب صحفي*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى